وعي الخطر والمقامرون

بقلم سعادة السفير علي عبد الكريم علي


لقد منحتنا استطلاعات الرأي التي تجريها المؤسسات السياسية والإعلامية الأميركية جرعات من التفاؤل تبشر بمحاصرة الخطر الذي تجسده الإدارة الأميركية والمحافظون الجدد على مصالح أميركا ومستقبل الأميركيين وبالتالي على أمن العالم ومستقبل البشرية كلها.
ولأننا مركز الاستهداف الأساسي في مخططات الهيمنة والحروب الاستباقية ونشر الفوضى الخلاقة وزراعة مختلف صنوف الفتنة والصراعات الأهلية، كما أوضحت التقارير والإعلانات الصريحة لرموز المحافظين الجدد والمسؤولين الكبار في الإدارة الأميركية الحالية منذ أكثر من عشرين عاماً وحتى الآن، وكانت الترجمة العملية المرعبة احتلال العراق والمجزرة المفتوحة التي تحصد المئات يومياً وتغتال العلماء والآثار والإنجازات الحضارية المتعاقبة، وكانت أيضاً إعطاء الحرية الإجرامية الكاملة لإسرائيل لممارسة التدمير والإحراق والقتل والإبادة ضد الشعب الفلسطيني ومدنه وقراه ومخيماته ومدارسه ومشافيه وكنائسه وجوامعه. ‏
وكانت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان مقامرة أميركية علق عليها أسياد القرار الأميركي آمالهم الكبيرة بتعويض النزيف الهائل في العراق الذي خسروه ويخسرونه من قواتهم وهيبتهم ورصيدهم داخل أميركا والعالم كله.
فزلزلتهم النتيجة التي لم يتوقعوها، وشكل صمود المقاومة اللبنانية وتحطيم أسطورة الجيش الإسرائيلي والسلاح الأميركي الإسرائيلي الفتاك الخسارة الأكثر فداحة بالنسبة لأصحاب العقول الحامية من المحافظين الجدد، فأحبطت المخططات والسيناريوهات المرسومة للقضاء على المقاومة ولمصادرة المواجهة والممانعة والحفاظ على الأرض والهوية وحق العيش الآمن الكريم لشعوب هذه المنطقة. ‏
وبعد اضطرار الإدارة الأميركية وحلفائها إلى الاستجابة لمطلب إسرائيل بوقف العدوان الذي أجلوه وأخروه ثلاثة وثلاثين يوماً أملاً في نفاد سلاح المقاومة وانهيار صمودها، الأمر الذي جاء نقيضاً صارخاً لكل هذه الحسابات والرهانات، وفتح الباب واسعاً للانتقادات والاعتراضات المتعاظمة ضد سياسة الإدارة الأميركية وحروبها التي أصبحت مقامرة في نظر كل الغيورين على صورة أميركا من الرؤساء والمفكرين والدبلوماسيين، فضلاً عن انحسار التأييد الشعبي لهذه الإدارة إلى أدنى مستوى له في تاريخ الحكومات الأميركية. ‏
ولعل توصيات لجنة بيكر وهاملتون التي ضمت فريقاً متميزاً من الساسة الأميركيين من الحزبين الجمهوري الحاكم والديمقراطي المعارض وما توصلت إليه من نتائج تنعي فيها السياسة الأميركية القائمة وتدعوها إلى إعادة نظر شاملة تضع من خلالها حداً للخسائر الأميركية في الأرواح والاقتصاد وفي الحضور والدور وصورة المستقبل، وبالرغم من صدمة الخسارة المدوية في العدوان على لبنان والهزيمة في انتخابات الكونغرس الأميركي وارتفاع معدلات التحذير والإدانة من قبل الشعب الأميركي ضد رموز هذه الإدارة، فإن المكابرة لاتزال تسيطر بنسبة كبيرة عليهم فتدفعهم إلى التنكر لنتائج لجنة بيكر هاملتون التي شكلوها كحالة إنقاذية، وبدؤوا يتوازعون الأدوار في نقد مقررات اللجنة والتهوين من أثرها وصولاً إلى اتهام القائمين عليها على ألسنة حلفاء الإدارة الأميركية في الداخل والخارج. ‏
وكان الهجوم على الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر أكثر حدة بسبب كتابه عن الشرق الأوسط والصراع العربي ـ الإسرائيلي ، حيث قدم استنتاجات وتحليلات استخلصها الرأي من تجربته الطويلة كرئيس أميركي وراع لعملية السلام في وقت ما ومشارك في الحوار وإبداء الرأي في كل الأوقات بفعل موقعه وخبرته وكمراقب ترأس لجاناًََ متعددة ذات صلة، ومع أن آراء الرئيس كارتر تنطلق من حرصه على أميركا وصورتها ومستقبلها فإن العنجهية والعصبية والحماقة جعلت المتحمسين لإسرائيل يرفضون الكتاب وكاتبه ويتهمونه بمعاداة السامية، لأنه قال بعض الحقيقة بلغة الحريص على أميركا وإسرائيل بوصفه إجراءات القمع والقهر الإسرائيلية ضد الفلسطينيين بأنها تفوق كثيراً القمع الذي تعرض له الأفارقة السود في جنوب افريقيا إبان الفصل العنصري. ‏
فهل يدرك أصحاب الرؤوس الحامية في الإدارة الأميركية وأتباعهم في منطقتنا وفي العالم أنهم تجاوزوا منطق المغامرة الخطرة إلى المقامرة الأكثر خطراً، وأن احتمالات الربح تساوي صفراً... بالنسبة لهم وتساوي كوارث تشمل المصالح الأميركية وأن شعوب المنطقة وأمن العالم كله؟ ‏
فهل يعي المقامرون خطورة اللعبة التي يلعبون؟‏


   

الصفحة الرئيسية

سورية في سطور
السيد السفير
شؤون السوريين
Visas التأشيرات
التصديقات التجارية
شؤون الطلاب
مقالات مختارة
عناوين مفيدة
الاتصال بنا

جميع الحقوق محفوظة - تصميم المهندس علي محفوض © 2006