انحياز إلى التفاؤل

بقلم سعادة السفير علي عبد الكريم علي

لن يمنعني نهر الدم الفاجع الذي يصنعه الاحتلال في فلسطين والعراق من التعلق بحبال الأمل، ولن أستسلم للخيبة المريرة جراء انزلاق الأشقاء والاخوة إلى صراعات مؤسفة رسمها الطامعون والحاقدون في البنتاغون وايباك وتل أبيب.

وسأبقى منحازاً إلى تفاؤلي بانتصار الجمال على البشاعة والقبح، والتسامح على الكراهية والحقد، وعدتي ليست قليلة أو متواضعة، فالعراق بعد أيامه الدامية السوداء الطويلة، مايزال مقاوماً لمستحضرات الفتنة العرقية والطائفية والمذهبية، التي دأب ويدأب المحتلون على زراعتها وسقايتها في تربة العراق، دون كلل من التجريب وتحديث أساليب الإغراء والإغواء والوقيعة، وتحريض الغرائز والعصبيات داخل العراق وخارجه في الدول القريبة أو البعيدة، ذوات الصلات والمصالح، أو تلك التي يجري افتعال صلات ومصالح لها من أجل توسيع دوائر النار وزيادة مصادر الاشتعال.

لكن شعب العراق بأعراقه وتشكيلاته الدينية المختلفة ترجه الفظائع والكوارث التي تصيب أبناءه وتسرق فرح الطفولة وطمأنينة الأمهات والصبايا وأحلام الآباء في نجاح أبنائهم. ‏

هذا الشعب مايزال يرفض تصديق ما يرى من جرائم وانتهاكات ومقاتل تنسب إلى العراقيين أو إلى تنظيمات وجمعيات مجهولة النسب حديثة العهد في الولادة والإعلان، غريبة على العراق قبل الاحتلال الأميركي. ‏

تفاؤلي يستند إلى استنكار السواد الأعظم من العراقيين لكل صنوف الإذلال والقهر والانتهاكات والقتل الأعمى، ولهذا التفاؤل رصيد يكبر كل يوم باتساع دوائر الوعي لدى البسطاء فضلاً عن العقلاء والعلماء، لأن أخطاء المحتلين وأجرانهم تفضح أهدافهم وغاياتهم وتصبح دليلاً يعرف الناس بأعدائهم الحقيقيين، فمن يرد صناعة الديمقراطية للعراق أو لفلسطين أو لبنان أو المنطقة، لا يعمد إلى تدمير المتاحف واغتيال العلماء ، فأي ديمقراطية لا يمكنها أن تقوم دون الحفاظ على منجزات العلم وإبداعات الإنسان بأجياله المختلفة. ‏

ومن يرد مكافحة الإرهاب لا يدافع عن عدوان إسرائيل واستهداف المخيمات الفلسطينية وحصاد أرواح الأطفال والنساء والرجال بالجملة. ‏

وما أحسب منصفاً في العالم يقبل بتصنيف الأطفال الذين قتلتهم آلة الحرب الإسرائيلية في غزة ونابلس ورام الله وكل فلسطين، أو الذين اغتالتهم في مروحين وقانا وبيروت وبعلبك وكل لبنان في خانة الإرهاب، بل ربما كل الإنصاف والشجاعة يقتضيان تسمية قاتل هؤلاء الأطفال أو المبارك لقتلهم بالإرهابي وراعي الإرهاب. ‏

ولأن الفتنة تواجه حذراً، يكبر لدى اللبناني والعراقي والفلسطيني، ولأن الإرهاب الحقيقي يكشف عن وجهه، فيتعرف إليه الأميركي والأوروبي، ولأن القوة المتغطرسة واستخدامها المفرط يلاقيان رفضاً وقلقاً وخوفاً في المجتمعات الأميركية والغربية فضالاً عن بقية العالم، أراني مدفوعاً إلى زيادة تفاؤلي بانتصار صورة العدل والحرية والسلام، لأن للجميع مصلحة في ردع الطامعين والحاقدين والحمقى عن مواصلة العبث بأمن البشرية ومستقبل أجيالها. ‏

فهل تصلح هذه القراءة المتفائلة تحية وداعية لعام سيئ الصيت أملاً في استقبال عام أقل دماء وقهراً وأكثر أمناً وسلاماً واحتراماً لإنسانية الإنسان، بعيداً عن اللون والدين والعرق والضعف والقوة؟ ‏

وكل عام وأنتم بخير.


   

الصفحة الرئيسية

سورية في سطور
السيد السفير
شؤون السوريين
Visas التأشيرات
القسم التجاري
شؤون الطلاب
مقالات مختارة
عناوين مفيدة
الاتصال بنا

جميع الحقوق محفوظة - تصميم المهندس علي محفوض © 2006