|
اعتذار من المعشوقة
بقلم الأستاذ عصام داري
فجأة، وجدت
نفسي وجهاً لوجه مع الفراغ! فهذا الحيز من الصحيفة كان مخصصاً
للزميل والصديق السفير علي عبد الكريم.
لكن ظروفه القاهرة منعته من متعة الكتابة وحرمتنا من متعة
الاستمتاع بما يكتب. هل تعذرني أيها الصديق إنْ أنا احتللت عنوة
هذه الزاوية التي يتسابق الكتاب والمبدعون عليها وكأنها قالب
حلوى.. أو طاقة زهر.. أو رحلة أثيرية عبر فضاءات الحبر والورق؟
هكذا.. فجأة وجدت نفسي وجهاً لوجه مع الفراغ، ولا أدعي أن جعبة
«تشرين» خاوية، فهناك عشرات الزوايا التي تليق بها «آفاق» وتتألق
«آفاق» بها.
ما دفعني لإملاء الفراغ ليس عشقي لهذا المكان الذي كتبت فيه ثلاث
مرات فقط على مدى ثلاثة عقود، وإنما كي أبرر للصديق علي غيابه،
ولأبرر لـ«تشرين» ما كان يمكن أن يكون خطأ مبيناً. فقد اعتدنا منذ
أكثر من شهر على كتابة عبارة «يكتبها غداً فلان» في أسفل المقالة ـ
الزاوية، وظهر اسم الزميل علي عبد الكريم في عدد الأمس.. فهل يغفر
لنا القارئ هذه الهفوة؟ وهل نغفر لأنفسنا عدم إعلام هذا القارئ
بسبب التعديل والتبديل؟
وكي لا استفيض في هذه التبريرات لأنني أظن أن الرسالة وصلت، فسأروي
أقصوصة عن «تشرين» عاشها صاحبا زاوية اليوم «الغائب قسراً والحاضر
مرغماً»، لأن بدايات الزميل ـ السفير علي عبد الكريم كانت هنا في
«تشرين».
كنت في مطلع شبابي أعشق الأدب، وخاصة الرواية و القصة القصيرة،
وكان علي عبد الكريم مرهف الإحساس ويعشق الكلمة ويرسمها شعراً، لكن
عشاق الأدب والشعر والجمال غالباً ما تأخذهم الحياة بمشاغلها
وهمومها ومتطلباتها فيذهبون بعيداً عن عشيقتهم وتدور بهم الدنيا
ليجدوا أنفسهم قد ابتعدوا عن البدايات وغرقوا في بحار العمل
اليومي.
هكذا سارت مراكب علي عبد الكريم إلى الخارجية السورية ليكون سفيراً
ناجحاً كما هو شاعر مرهف الإحساس عذب الكلام كما هو عذب المعشر.
وحملتني مراكبي إلى عالم السياسة ليس بوصفي سياسياً في هذا السلك
الذي يتطلب الأناة والصبر والمثابرة والثقافة العالية والمتابعة
السّاعيّة «وليس اليومية فقط» ليس لهذا وإنما لأمارس مهنة المتاعب
في جوانبها السياسية خاصة، حيث الخبر والتعليق والتحليل والتقرير.
لكن شاعرنا ـ السفير لم ينسَ القوافي ولا البحور، وأنا غير قادر
على هجر محبوبتي: الرواية والقصة، وإن اعترفت بأنني أهملها أحياناً
وأطلب مغفرتها وأقدم لها الأعذار الواهية.
الشعر والأدب والموسيقا وكل الفنون الأخرى هي الحبيبة التي نسند
رأسنا إلى صدرها أواخر الليل نطلب الراحة والتحليق في آفاق رحبة لا
حدود لها.. لكن النهارات دائماً خلقت للعمل والركض المضني وراء
رغيف الخبز وثمن الكتاب ووردة الجوري.
يأخذنا العمل من العشيقة أحياناً.. بل أكثر الأحايين.. لكنها
تسرقنا دائماً من أعمالنا وتجعلنا نعيش لحظات النشوة والانبهار
والدهشة والحب.
هل أنست السفارة نزار قباني كتابة الشعر؟ وهل ألغى الطب عبد السلام
العجيلي عن كتابة الرواية؟ وهل أوقف التسكع في الشوارع العربية
محمد الماغوط عن رثاء الدنيا وما فيها شعراً ونثراً ومسرحاً؟
ولا نظن أن شيئاً سينسينا المعشوقة أكانت قصيدة شعر مستلقية على
ضفاف العمر، أو رواية تسكر وتسحر وتعري ذواتنا من ورق التوت
الزائف.
|