«اتحاد الكتاب في سورية يشكك في كون سعد
الله ونوس كاتباً مسرحياً!».
أفترض أن
دوافع متعددة يمكن أن تكون وراء المادة
الصحفية المنشورة في الصفحة الأولى لصحيفة
الحياة، بينها البحث عن الإثارة، لكن مهما
كانت هذه الدوافع مضخمة أو مفتعلة، ولو
اقتضت هذه الدوافع اجتزاء الرواية الخبرية
لمحاضرة الدكتور حسين جمعة رئيس اتحاد
الكتاب وللفتاوى القانونية التي نقلتها
الصحيفة عن محامي الاتحاد يوسف أبو حمود،
لو افترضنا ذلك بحده الأقصى، فإنه لا يلغي
الشعور بأن ضيراً وظلماً كبيرين قد لحقا
بالكاتب الكبير سعد الله ونوس، ولا أحسبني
مبالغاً إذا اعتبرت أن في الأمر أذى لصورة
سورية الجميلة في مرآة عشاقها ومحبيها،
الذين يرون في ونوس ومبدعين كبار آخرين في
الفكر والفنون والآداب شواهد داعمة لحضور
سورية وتأثيرها المتجدد في محيطها العربي
وفي العالم باعتبارها مركز إشعاع ثقافي
وحضاري وحاضنة وولادة لأجيال المبدعين
الخالدين على مر العصور.
... طبيعي
بل ضروري أن نقرأ كتّابنا الأحياء
والراحلين، وأن نقرأ موروثنا الإبداعي
والفكري وحتى الديني بمنطق المراجعة
والنقد، وهذا ينسحب على سعد الله ونوس
ومحمد الماغوط وعبد السلام العجيلي وعمر
أبو ريشة وفاتح المدرس ونزار قباني وبدوي
الجبل وصدقي إسماعيل وغيرهم وغيرهم من
المعاصرين الراحلين في أجناس الإبداع
المختلفة أو الذين سبقوهم ممن يعتبرون
رصيداً وطنياً وقومياً يضاف إلى ثروات
سورية وكنوزها.
والقائمة
كبيرة وممتدة لو أردنا استعراض الأسماء
التي أضاءت تاريخ سورية وأضافت إلى رصيدها
في سجل الإبداع الكوني.
وإذا كان سعد الله
ونوس قد تأثر بأبي خليل القباني فهذا ليس
عيباً بل هو من مزاياه، ومسرحية «سهرة مع
أبي خليل القباني» شاهد على ذلك، وعرفان
من ونوس بريادة القباني، وما دام الدكتور
حسين جمعة يقول ـ حسب ما نقلت عنه صحيفة
الحياة ـ «الناحية التي تؤخذ على ونوس أنه
كان سارقاً لأعمال القباني لكنه أخذ
المنهج وطوّر فيه ولم يأخذه كما هو». أرى
أن الدكتور جمعة ألغى فعل السرقة
باستدراكه «لكنه أخذ المنهج وطوّر فيه ولم
يأخذه كما هو» ويعلم الدكتور جمعة أن
الإبداع بصنوفه المختلفة ما هو إلا إعادة
تشكيل لعناصر سبق أن تعامل معها مبدعون
آخرون بلغات وأساليب ومناهج ورؤى تتفاوت
في فرادتها وجاذبيتها وجمالياتها بين عصر
وعصر وبين مبدع وآخر.
... وأحسب أن ما تعرّض
له أبو الطيب المتنبي من نقد لاذع وجارح
من معاصريه، شاهد، وما تعرّض له وما يزال
نزار قباني وأدونيس وقبلهما الأخطل الصغير
وبدوي الجبل وأحمد شوقي والسلسلة طويلة
ومتشعبة، كلها شواهد، تستند إلى حقائق
واقعية في أحيان كثيرة، وهذا يفيد ويغني
ويضيء النص أو اللوحة أو الأثر الإبداعي
أياً كان، وقد نكتشف هيمنة وحضوراً يتجاوز
حدود التأثير الطبيعي أو تلاقح الأفكار
والخواطر، وهذا وارد ويوضع في مواضعه
النقدية التي لا ضير في تحديدها، والحكم
على أساسها على قيمة الأثر الإبداعي.
ولكن المسرح العربي
المعاصر وسعد الله واحد من الذين حققوا
فيه حضوراً وشهرة داخل سورية وفي الوطن
العربي كله وامتد حضوره وتأثيره إلى
العالم، حيث اختير للمرة الأولى على
المستوى العربي ليلقي كلمة المسرح في يوم
المسرح العالمي في السابع والعشرين من
آذار عام 1996، وكان وقتها يصارع مرض
السرطان حيث اعتلى منصة مسرح الحمراء
بدمشق ليلقي كلمة المسرح التي تناقلتها
المسارح في العالم كله، والتي دعا فيها
إلى الحوار كخشبة خلاص رافضاً الاستسلام
لليأس بقوله: إننا محكومون بالأمل.
وأحسب أن المنصفين
والغيورين على الإبداع الحقيقي كثيرون في
سورية والوطن العربي والعالم، وقد قال
كبار منهم في كتبهم ومقالاتهم وأفلامهم
المصورة رأيهم في سعد الله ونوس، وأهم مما
قالوه وسجلوه، مسرحياته ومقالاته وسيرته
الإبداعية، فهي المدافع الأساسي عنه
مبدعاً وإنساناً ورائياً، يستحق أن نحييه
ونعود إليه، لنحاوره ونكتشف جديداً في
نصوصه التي أحسب أنها تمتلك مفاتيح إجابات
على أسئلة معقدة حائرة في قضايا كثيرة ما
تزال تفرض حضورها.