في
نيويورك وواشنطن، فمراكز التوثيق
والدراسات والاستطلاعات التي تشرف عليها
مؤسسات حكومية واستخبارية وإعلامية داخل
أميركا وخارجها، جميعها تؤكد أن أمن
البشرية في أسوأ حالاته، جرّاء تفشي ظواهر
التطرف الديني والعرقي والسياسي، فضلاً عن
ارتفاع معدلات الفقر والجوع والبطالة وما
يستتبع ذلك من صنوف الجريمة الاجتماعية
المنظمة وغير المنظمة.
فهل استشعرت القوة
الأميركية الأعظم في العالم مسؤولياتها
بضرورة مراجعة سياساتها ومخططاتها التي
أصابت المجتمع الأميركي أولاً.. والحلفاء
الأوروبيين ثانياً ومنطقة الشرق الأوسط
خاصة، بأفدح الخسائر دماءً واقتصاداً
وأمناً؟..
وإذا كانت اللجنة
المشتركة التي ضمت خبراء وشخصيات مهمة من
الحزبين الجمهوري والديمقراطي وعرفت بلجنة
بيكر ـ هاملتون، قد أعطت مؤشرات إيجابية
لجهة استدراك الإدارة الأميركية لنتائج
حربها على العراق وتداعياتها الخطيرة، فإن
منطق التردد والانتقائية والقفز على
الحقائق، هو ما بدا أنه السمة الغالبة على
الخطوات والإجراءات التي اعتمدتها، ولا
تزال، هذه الإدارة في تعاطيها مع مقررات
لجنة بيكر ـ هاملتون، ويكفي أن نتوقف عند
التصريحات المتكررة للرئيس بوش التي يرفض
فيها قرار الكونغرس الأميركي الداعي إلى
انسحاب القوات الأميركية من العراق في
مطلع العام القادم وتهديده باستخدام حق
النقض ـ الفيتو ـ ضد القرار، مع أنه يعترف
في لقاءات تلفزيونية وصحفية بتراجع شعبيته
إلى أدنى مستوى لها وبالاهتزاز الكبير
لصورة أميركا في مرآة العالم جرّاء هذه
الحرب.
... ولأن المكابرة قد
تتحول في أوضاع كالتي تشهدها ساحة الشرق
الأوسط «العراق ـ فلسطين ـ لبنان ـ الملف
النووي الإيراني» إلى مغامرة تنذر بما لا
يمكن التكهن بنتائجه التدميرية البالغة
الخطورة، استناداً إلى السيناريوهات
المعتمدة من قبل الإدارة الأميركية
والمراكز الاستراتيجية التي يديرها
المحافظون الجدد داخل الإدارة الأميركية
وخارجها.
وأملاً في التوصل إلى
حلول ومخارج نجاة من الأزمات المعقدة التي
تعصف بالمنطقة وتكاد تسد منافذ الأمل
جرّاء الفظائع والأهوال التي صنعتها
وتصنعها السياسة الأميركية وتداعياتها في
العراق والمنطقة، نرى أهمية التركيز على
العناصر الآتية الإنقاذية:
1 ـ اعتماد الحوار
المشفوع بالهدوء وقبول الآخر دون استثناء
وصولاً إلى مصالحة عراقية ـ عراقية لا
بديل منها لتلمّس طريق الخلاص من المجزرة
المركبة، بمؤثراتها العرقية والطائفية
والمذهبية والسياسية، والتي كان الاحتلال
الأميركي مركز توليدها وتصعيدها بقصدٍ
حيناً، وخارج السيطرة حيناً آخر، ويجب هنا
تضافر الجهود العربية المخلصة من أجل
تفكيك الألغام المذهبية والعرقية التي
زرعت، وهذا يستدعي استحضار تاريخ العيش
المشترك الذي يمتد قروناً متعاقبة، كان
فيه العراقيون كل العراقيين أسرة واحدة،
تضم الأعراق والأديان والمذاهب المختلفة،
وتشكل نموذجاً للعطاء والإنجاز والتعايش
الإنساني الحضاري الرائع، وهذا ينسحب على
المنطقة كلها ويجب ألا نصاب بالخيبة
والقنوط واليأس جراء الوقائع المؤلمة
المؤسفة، فلا بد من توسيع دوائر الحوار
والاستعانة بكل الغيورين على وحدة العراق
وأمنه ومستقبل أجياله من العراقيين
والمعنيين بذلك من أشقائهم وأصدقائهم في
الدول العربية والجارتين الكبيرتين تركيا
وإيران.
وأحسب أن أفكاراً
ومقترحات وجيهة ومهمة قيد التداول بين
العراقيين وفي إطار الجامعة العربية
ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ترفض منطق
التكفير والتخوين والإلغاء والإقصاء
والتهميش، وتدعو إلى الاحترام قاعدةً..
والاعتراف بالآخر جسراً للتواصل.. وحرمة
الدم العراقي في كل الظروف والأحوال.
2 ـ التركيز على
التفكير بحلول متكاملة لقضايا المنطقة
ابتداءً بقضية فلسطين كقضية محورية ذات
صلة بكل القضايا الأخرى دون استثناء، وهذا
يوجب مصارحة ومكاشفة عميقتين مع الاقتران
بكل الأدلة والحقائق الدامغة التي تكشف
مرجعية هذه القضية وتأثيرها المتصاعد في
تكريس الإحساس بالظلم والقهر ومن ثم العجز
واليأس، بما يعنيه ذلك من تربة لاستنبات
أفكار الانغلاق والتطرف والعنف بأشكاله
المتعددة التي تقود إلى الارهاب المدان
والمرفوض، وهذا يفترض بنا توصيف وتشخيص
الخطر بمقدماته وأعراضه ونتائجه
واحتمالاته كلها دون إهمال المسميات
والأدوار والمراحل التي مرت بها هذه
القضية ومتفرعاتها، وهنا نرى أن معالجة
أحداث الحادي عشر من ايلول كانت تقتضي
البحث عن جذور المشكلة ومسبباتها ليكون
العلاج حقيقياً يمنع توالد العنف وزيادة
معدلات الجريمة والإرهاب كما حدث في حرب
الإدارة الأميركية على الإرهاب المزعوم،
إذ تضاعفت أعداد الضحايا البريئة وانهارت
جدران الأمن ومقويات الاستقرار ليس في
أفغانستان والعراق فحسب، بل في كل مكان من
هذا العالم جرّاء تجاهل المسببات الحقيقية
التي يتصدرها الشعور العارم بالتمييز
والعنصرية والظلم المقصود المتكئ على
القوة العسكرية والاقتصادية وكل عناصر
القوة المتاحة، وزيادة أعداد الانتهاكات
لم تشر حتى الآن إلى اتعاظ المحتل
الإسرائيلي أو الأميركي، لكن إشارات أخرى
بدأت تظهر لدى فرقاء آخرين يمكن اعتبارهم
حلفاء أو متعاونين أو متواطئين أو أي
مسميات أخرى، وهذا يعتبر علامة صحو تسمح
بالتفاؤل بإمكانية الخروج من دوامة
الأخطار التي فرضتها سياسات التمييز
والهيمنة والاحتكار التي تميزت الإدارة
الأميركية الحالية في إيصالها إلى نهايات
غير مسبوقة في معدلات الإبادة والاغتيالات
والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان.
3 ـ مراجعة دور وسائل
الاتصال بكل تقنياتها وابتكاراتها المهمة
والمدهشة التي اختصرت المسافات في العالم
كله، ليتمكن الحريصون على أمن البشرية
ومستقبل أجيالها من تغليب منطق الحوار
والتسامح واحترام خصائص الشعوب وحاجاتها
ومصالحها، ولأننا في هذه المنطقة نعتبر
مسرح الأحداث وحقل التجارب فهذا يفرض على
الجميع، حكاماً ورجال فكر واقتصاد مشتغلين
بالإعلام وصناعة الرأي العام بكل مندرجاته،
أن يعمل كل في ميدانه على البحث عن قواسم
مشتركة واسعة الطيف تعتمد المصالح
منطلقاً، لتفادي المزالق الخطرة التي يوقع
الجميع أنفسهم وغيرهم فيها، عندما
يستجيبون لنوازع السيطرة والجشع والنزوات
وردود الفعل التي تزخر بحماقات، لو حسبنا
تداعياتها الكارثية على حياتنا وأبنائنا
وأمتنا ومستقبلنا لكنا أكثر حرصاً وحذراً
ومن ثمّ كنا أكثر جدارة بالحياة الآمنة
الكريمة.