لكن رصيد
عزمي بشارة من الخصوم والمناوئين والأعداء
ليس رصيداً متواضعاً، إذا ما أخذنا
بالاعتبار المنظمات الصهيونية وأجهزة
استخباراتها ووسائل الإعلام التي تهيمن
عليها أو تدور في فلكها، ومراكز الأبحاث
والدراسات ذوات الأسماء المختلفة داخل
إسرائيل وفي أميركا والغرب والعالم كله،
فقد أربكها عزمي بشارة وحاصرها بحيويته
اللافتة وكفاءته في الدفاع عن أفكاره
وقناعاته ومن ثم عن قضيته الجوهرية، قضية
الأرض والهوية والكرامة والحرية والانتماء
إلى مستقبل يضمن الاستقرار والحياة
الكريمة دون ارتهان لمنطق القوة والانحياز
الظالم والخوف على الحياة الشخصية
والمكاسب الصغيرة، التي حسب الإسرائيليون
أنهم قادرون على احتواء عزمي بشارة أو
إضعافه إلى الحد الذي لا يستطيع فيه
النفاذ إلى الرأي العام واختراق دوائر
التزوير والتشويش والحصار التي نسجها
الإعلام الصهيوني ومؤسساته حول عزمي بشارة
المفكر والسياسي والإنسان.
والصدمة التي لحقت
بأعداء عزمي بشارة من الصهاينة جرّاء
مواقفه الصلبة تجاه قضايا وطنه وأمته،
والتي عرّت الديمقراطية الإسرائيلية
الزائفة، والخداع الذي حاولت طويلاً
تسويقه لدى الرأي العام العالمي تجاه عرب
الأرض المحتلة عام 1948، كل ذلك أعطى
بشارة فاعلية ومناعة.
.. لقد ربح عزمي بشارة
الحرب الطويلة الشرسة بانتصاره على ذاته
أولاً حين رفض المكاسب الصغيرة ورفض
الاستسلام للخوف رغم وحشية وشراسة
المتربصين به، ولكنه لم يستهن بأعدائه ولا
بالحيادية التي تشبه العداء لدى الكثيرين
من أبناء جلدته، ولا بالفكر التكفيري
الأسود الذي يضاف إلى رصيد أعدائه من
الصهاينة والمتطرفين.
عزمي بشارة في معركته
القديمة ـ الجديدة يفتح الباب على مصراعيه
ليراجع كل منا حقائق الصراع العربي ـ
الاسرائيلي وحقائق الهوية الوطنية
والقومية وكيفية التمسك بها بمنطق التوازن
والشجاعة والرؤية المنتمية للمستقبل
والمنتمية لاحترام العقل العربي واحترام
إنسانيته وكرامته وحقه في التعبير وحقه في
الوجود وحقه في تسمية الأشياء بأسمائها.
.. إن معاناة عزمي
بشارة علامة صحو ونقطة بداية للعد العكسي
لحالة العجز واليأس والانكسار التي تحاصر
العربي داخل الأرض المحتلة وخارجها، فهو
شهادة على التمرد على الخوف والانتصار
عليه وشهادة على النجاح والاحترام
والكفاءة الأخلاقية والإبداعية العالية.