ربما لأن مشاهد التعذيب والقتل والإحراق
وانتهاك الحرمات، واستعراضات القوة
المدمرة التي تجتاح المدن والقرى
والمخيمات والتي لا تستثني البيوت
وساكنيها من الرجال والنساء والأطفال، ولا
تدخر دور العبادة والمشافي والمدارس
والجامعات، كل هذه الصور المتحركة
والمتغيرة كل ساعة أصابتنا بما يشبه
البلادة أو نقص المشاعر.
وإلا كيف يمكن تبرير
الصمت والحيادية تجاه المجزرة المفتوحة
بحق الفلسطينيين في الضفة والقطاع مدناً
وقرى ومخيمات؟..
وهل أضحت صور التعذيب
التي تستعيدها نشرات الأخبار والبرامج
السياسية أو الأفلام التسجيلية
والوثائقية، مجرد وسائل إيضاح أو تسلية
وتمضية وقت؟!..
وإذا انتقلنا إلى
العراق وأفغانستان والصومال وغيرها وغيرها
وغيرها من هذا العالم المنعم عليه بالبركة
الأميركية فسنجد تنويعات جديدة لديمقراطية
وعدتنا بها الإدارة الأميركية، وأرادت
العراق انموذجاً يحتذى، وصولاً إلى تعميم
النموذج على المنطقة كلها.
وما أحسبني إلا جاهلاً
(شأن معظم الأميركيين ومعظم أبناء
البشرية) بالديمقراطية، إذا كانت فنون
الإبادة والتشويه والتشريد والإلغاء
والإقصاء والتزوير التي يستخدمها المحتل
الأميركي هي علامات الديمقراطية، التي ما
يفتأ يتغنى بها الرئيس بوش ونائبه تشيني
ويعتبران ما أنجز في العراق وأفغانستان
مقدمات وبشائر أولية على طريق تحقيق الوعد
الأكبر بشرق أوسط كبير تعمّه صور الرفاه
والحرية والتقدّم المتطورة عما رأيناه من
لوحات رسمها جيش الديمقراطية بأشلاء
الأطفال ودماء ودموع الأمهات التي لونت
زوايا اللوحات مظهرة براعة جيش
الديمقراطية في نشر معاني الجمال والعدل
والحرية والإبهار.
فكل يوم في العراق
يتبارى مع اليوم الذي سبقه في حجم الحصاد
من أرواح الأبرياء تحت عناوين ومسميات لم
تكن معروفة قبل الفتح الديمقراطي وإعلان
البيت الأبيض حربه على الإرهاب.
.. وها قد مضت السنوات
تباعاً في أفغانستان والعراق وفي أميركا
وأوروبا والعالم كله، فأين أصبحنا وماذا
حل بنا، وماذا فعلت الديمقراطية الأميركية
بأميركا وبالعراق وبأفغانستان، وماذا يرجو
قادتها العظام المبجّلون من إنجازات
إضافية؟.
.. هل بعد غوانتانامو
وأبو غريب من ابتكارات أكثر إقناعاً
وإدهاشاً بالتجربة الديمقراطية وبعمق
الشعور بإنسانية الإنسان وكرامته
وحقوقه؟!.
.. وهل تبرّع
المستشارون والخبراء في مكاتب الرئيس بوش
ومساعديه وأركان ديمقراطيته العظيمة
بإهدائه نتائج إحصاءات حربه الظافرة على
الإرهاب وإذا كانت ضحايا الديمقراطية
المزعومة قد تجاوزت المليون؟
.. أسئلة تقود إلى
أسئلة ومفارقات يزحم بعضها بعضاً، كلها
تشير إلى الإحباط لكنها في الوقت ذاته
تدفعنا باتجاه البحث عن نوافذ للأمل
وأدوية حقيقية تعالج من صدمات الديمقراطية
الكاذبة وهداياها القاتلة.
ولنا أن نتفاءل
باستطلاعات الرأي التي تتهاوى فيها أسماء
المزورين والقاتلين وأدعياء الحرية
والديمقراطية، ويزيد من رصيد التفاؤل أن
جنون العظمة وجشع الطامعين إلى الهيمنة
وصلا إلى طريق مسدود، فقد انكشفت صورة
الخداع وارتفعت وتائر الغضب دفاعاً عن
صورة الحياة الآمنة الجميلة التي ينشدها
الجميع ويخشون افتقادها وضياعها بعدما
جربوا ورأوا وما يزالون يعاينون النزيف
الإنساني الهائل بفعل الحروب الاستباقية
المجنونة.