الصورة المهمشة

بقلم سعادة السفير علي عبد الكريم علي

لا يشك عاقل بتفوّق الولايات المتحدة الأميركية العسكري وامتلاكها أحدث وأفتك الأسلحة والصواريخ والطائرات والقنابل.

وإمعاناً من إدارتها الحكيمة في تأكيد هيبتها وتفوّقها وجبروتها، فقد دأبت على تقديم الأدلة التوضيحية لمن ارتج عليه وظل مشككاً في القدرة الأميركية الخارقة، لأن مدينتي ناغازاكي وهيروشيما اليابانيتين أصبحتا من الماضي البعيد، ما اقتضى التذكير بما لا يدع مجالاً للالتباس أو التشكيك أو التخمين، فكان غزو أفغانستان وسيلة الإيضاح الأولى بكل ما حفلت به يوميات الغزو وتداعياته المستمرة إلى يومنا هذا من مهارات وابتكارات وخوارق مثل اصطياد القرويين في مزارعهم ومراعيهم وأكواخهم والإجهاز على الجرحى والفارين حتى لو كانوا في سيارات الإسعاف أو المدارس أو دور العبادة، ومع ذلك لم تتمكن القيادة الأميركية ومعها القوات الأطلسية حتى الآن من إقناع الشعب الأفغاني بضرورة تقديم فروض الشكر والعرفان أو التسليم ـ على أقل تقدير ـ بانتصار الأميركان على هذا الشعب المحاصر بالجوع والفقر والمرض والتطرّف. ‏

ولأن الوقت ثمين لدى الإدارة الأميركية فقد آثرت الانتقال إلى درس توضيحي جديد دون مراجعة الدرس الأول وإضاعة الوقت في إحصاء أعداد القتلى والمفقودين والناجين من القوات الأميركية والحليفة أو قياس نسبة النجاح ورصيد التأييد داخل الدوائر السياسية ومراكز الرصد والاستطلاع لدى الشعب الأميركي والشعوب الحليفة أو الشعوب الأخرى، مع أن المتبرعين لم يكونوا قلة وقدموا نتائج استطلاعاتهم وحساباتهم ورصدهم التي تشير إلى انحدار سريع لشعبية الرئيس بوش والإدارة الأميركية وأصدقائهم وحلفائهم أيضاً، فأسرعوا إلى إنجاز الدرس الأهم والحلقة الأكثر تشويقاً وإغراء بالنسبة لعباقرة البنتاغون ومنظّري الفوضى المبدعة في إيباك ومراكز الدراسات الاستراتيجية، فكانت البروفات والتدريبات الاستخبارية التي تقاسم الأدوار فيها وزراء ومستشارون وجنرالات ومراسلون ودبلوماسيون ومتبرعون بالخدمات الخيرية من جنسيات مختلفة تحت مسميات كثيرة كالتحرير والمعارضة والديمقراطية وحقوق الإنسان الخ.. ‏

وحدث احتلال العراق دون موافقة الأمم المتحدة ودون اعتبار لنداءات واعتراضات ومظاهرات من كل اتجاه، لتقدير الإدارة الأميركية أنها وحدها التي تعرف مصلحة الآخرين ومصلحة شعبها، وهي لذلك لم تتردد في فعل الخير وإنقاذ العراق من حكومته الظالمة عبر إحراق مكتباته وتدمير متحفه واغتيال علمائه بادئ ذي بدء. ‏

فهذه أهم الوسائل التوضيحية التي حرصت القوات الأميركية ومستشاروها الموزعون على الوزارات والمؤسسات التي شكلها الحاكم الأميركي الديمقراطي المنقذ بول بريمر، وتوالت الفصول المدهشة في الدرس الأميركي في العراق، فجسدت العبقرية الإنقاذية صور الهيبة والقوة والديمقراطية في سجن أبو غريب والسجون المتنقلة في العواصم الأوروبية والمقرات السرية في غير مكان من هذا العالم، ولأن محدودي الاستيعاب هم السواد الأعظم من العراقيين والفلسطينيين والعرب والمسلمين وشعوب العالم كله، فقد حرصت القيادة الأميركية على زيادة وسائل الإيضاح وتنويعها وإضافة عناصر الإثارة والتشويق والإبهار، فكانت تسوّق صور الاغتيالات الجماعية والاغتصاب الجماعي وإحراق القرى، وتدمير المباني على رؤوس أبنائها، تخليصاً لهذا الشعب من الجهلة والإرهابيين والقاصرين عن فهم الجمال الأميركي والديمقراطية الأميركية والتفوق الأميركي. ‏

وعندما انبرى رؤساء ونواب ووزراء وسفراء وقادة جيش أميركيون لإعلان اعتراضاتهم وإنذاراتهم من أجل أميركا وشعبها وصورتها لدى العالم كله التي أصابها التشويه وحاصرتها الكراهية، سارع الرئيس بوش والعباقرة الإنقاذيون من حوله إلى نشر وسائل توضيح جديدة من خلال خطة بوش الجديدة في العراق والمنطقة، فهل يحق لنا أن نتفاءل بأن قوة الإقناع والتوضيح لدى هذه الإدارة فقدت بريقها وجاذبيتها حتى لدى النواب الجمهوريين في الكونغرس الأميركي، ولدى الحلفاء والتابعين في الغرب والشرق والعالم كله. ‏

وهل ننتقل إلى درس جديد تكون وسائل الإيضاح فيه لا تعتمد الإبادة والحرائق وقهر الشعوب؟.. ‏

دون أن ننسى تقديم الشكر للإدارة الأميركية لأنها أزاحت غشاوة عن عيون كثيرين، كان يصعب إزاحتها بدون هذه الدروس التوضيحية. ‏


   

الصفحة الرئيسية

سورية في سطور
السيد السفير
شؤون السوريين
Visas التأشيرات
القسم التجاري
شؤون الطلاب
مقالات مختارة
عناوين مفيدة
الاتصال بنا

جميع الحقوق محفوظة - تصميم المهندس علي محفوض © 2006