إنعاش الذاكرة

بقلم سعادة السفير علي عبد الكريم علي

مؤلم أن نستعيد ما قاله موشي دايان وزير حرب إسرائيل الأسبق عن العرب: «إنهم لا يقرؤون وإذا قرؤوا لا يفهمون وإذا أدركوا أمراً سرعان ما يدخل في النسيان».

فما يحدث هذه الأيام على أرضنا وبين أهلنا من صراعات عمياء دامية، ومن تفجيرات واغتيالات يقتل فيها الإخوة والأشقاء بعضهم بعضاً تحت عناوين وشعارات مؤسفة مخجلة كأنهم غرباء عن هذه الأرض، وكأنّ المجازر المروعة التي ارتكبها بحقهم المحتلون في فلسطين ولبنان والعراق وطول المنطقة وعرضها اليوم والأمس القريب فالأبعد فالأبعد لم تترك لديهم صدى ولم تعلمهم أن الفتنة سلاح المحتل، إضافة إلى الجيوش والأسلحة الفتاكة. ‏

... فلو عاد المنظّرون والكتّاب والبرلمانيون ورجال الدين الذين تزدحم بهم الفضائيات والإذاعات والصحف وهم يفنّدون الفوارق والتمايزات والخلافات إلى حدود التكفير والإلغاء بين الطوائف والمذاهب والاتجاهات، فضلاً عن الأعراق والقوميات، لو عادوا إلى أرشيف هذه المحطات أو الإذاعات أو الصحف أو إلى أرشيف كل منهم الخاص به في منزله أو مكتبه، لوجدوا أن ما يشغلهم اليوم ويستحوذ على تفكيرهم ويستثير انفعالهم وحماستهم المفرطة، كان بالأمس القريب أمراً آخر، سوّقته القوى الدولية الكبرى لتبرر عدوانها واحتلالها وسياستها لبسط الهيمنة على هذه المنطقة ودولها وشعوبها، فكانت الديمقراطية هي العنوان والشارة واللازمة على لسان كل المثقفين من كل الاتجاهات والتيارات والانتماءات، يتبارون في اتهام حكومات وتهديد أخرى، مستندين إلى السيناريو الأميركي المعلن الذي بشّر به الرئيس بوش وإدارته، ولم يستثنوا الأصدقاء والحلفاء من دول المنطقة. ‏

وكلنا يفترض أن يذكر الحملات المكثفة على مدى أشهر ضد مصر والسعودية على سبيل المثال، فكانت بنية الدول والمجتمعات هدفاً، والتحريض على الأنظمة وسيلة للابتزاز والضغط قبل غزو العراق، ومع أن جلّ التحاليل والحوارات التي حفلت بها وسائل الإعلام في الفترة المشار إليها كانت تمتلك حجة وإقناعاً، وما تزال إلى الآن حاجة لا نختلف على ضرورتها لمجتمعاتنا اليوم وغداً ودائماً، ولكن هل كانت الديمقراطية غاية لدى الإدارة الأميركية؟. ‏

يكفي أن نرصد ما حدث للعراق وفلسطين ولبنان من كوارث وانتهاكات وتدمير بنية تحتية ونهب ثروات ومصادرة سيادة وفرض إرادة القوي بأبشع صورها، لندرك صدقية الإدارة الأميركية ومدى احترامها للديمقراطية ولحقوق الإنسان وكرامته!!. ‏

... فهل يسأل المنظّرون والمتحاورون والمتحمسون أنفسهم، إلى أين قادهم تنظيرهم، وهل الاختلاف بين طائفة وطائفة أو مذهب ومذهب هو جوهر المشكلة في العراق أو فلسطين أو لبنان، أم أنه حلقة جديدة في السيناريو الجهنمي الذي أعده المحافظون الجدد لزراعة الفوضى الخلاقة في منطقتنا، أملاً منهم في إضعاف المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي وضد الاحتلال الأميركي وتوجيه الشعوب وقواها الفاعلة إلى غير جهة الخطر؟. ‏

ما حدث ويحدث في العراق، وما حدث ويحدث في فلسطين، من مقدمات اقتتال بين الإخوة تحت أي مسمى، يستدعي أقصى درجات القلق والخوف ويستدعي خجلنا من أنفسنا لأن الفتنة سلاح عدونا ضدنا جميعاً. ‏

أما لبنان وانتصار المقاومة ومحاولات تزوير صورة الانتصار ورمزيته الكبرى، فأحسب أن مصلحة شعوب المنطقة من كل الأديان والأعراق والاتجاهات الفكرية والسياسية أن يستعيدوا يوميات الحرب الإسرائيلية ـ الأميركية بكل قسوتها ومرارتها ووحشيتها، ويستعيدوا معها البطولات الخارقة والكفاءة المتميزة في القتال واستخدام تقنيات السلاح وتوظيفها برغم قلة العدد والعتاد، وتحقيق أعلى نسبة انتصار على الذات وعلى العدو الغاصب وعلى عقدة التفوّق، لأن المقاومين بهذا الانتصار جسدوا أحد الردود المفحمة على موشي دايان. ‏

ولنا أمل بأن تكبر مساحة الوعي لتكبر معها مساحة الانتصار.


   

الصفحة الرئيسية

سورية في سطور
السيد السفير
شؤون السوريين
Visas التأشيرات
القسم التجاري
شؤون الطلاب
مقالات مختارة
عناوين مفيدة
الاتصال بنا

جميع الحقوق محفوظة - تصميم المهندس علي محفوض © 2006