الثقافة المنقذة

بقلم سعادة السفير علي عبد الكريم علي

تدوي صرخات الأطفال المفجوعين أمام أشلاء آبائهم وأمهاتهم وذويهم، ولا تجد صدى لها لدى القتلة، إذ يجددون جرائمهم في اليوم التالي غير آبهين باستغاثات الأبرياء العزّل من كل الأعمار.

وتصدمنا القسوة الفاجرة لدعاة القتل والانتقام والتكفير، فضلاً عن السادية الإجرامية الباردة لدى المحتلين، وتذهلنا البلادة والغفلة لدى حاكمين وزعماء أحزاب وتيارات، ولدى قضاة ومثقفين وكتّاب وصحفيين وفنانين نراهم ينزلقون إلى ردود الفعل الغرائزية دون خجل من مواقفهم وثقافتهم ومسؤولياتهم، فيصبون زيتاً كثيراً على النيران المشتعلة في العراق وفلسطين، يشوهون تراثنا ويزوّرون تعاليم المسيحية والإسلام، فيجتزئون الآيات والوصايا والقصص والروايات، ويضيفون عليها تأويلاتهم وتفسيراتهم القاصرة المريضة الشوهاء، أملاً منهم في تعميم ثقافة الحقد والانتقام والتكفير والمصادرة والإلغاء والإقصاء بديلاً عن التسامح والإيثار والمحبة والحوار واحترام الآخر ومراعاة تعددية العقائد والأفكار والقناعات... التي هي جوهر الإسلام والمسيحية والقاسم المشترك مع البشرية كلها بثقافاتها وخلاصاتها الحضارية والإنسانية. ‏

فالمسيح عليه السلام يقول: «من كان منكم بلا خطيئة فليرمِ هذه الزانية بحجر». ‏

ومكارم الأخلاق جاء النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه ليتممها كما قال، ويضيف إليها: أقربكم مني يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً. ‏

والقرآن الكريم كان صريحاً وحاسماً: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله). ‏

وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً. ‏

والإمام علي بن أبي طالب يضيف: عاتب أخاك بالإحسان إليه واردد شره بالإنعام عليه. ‏

وأبو بكر الصديق يوصي جيوشه بالرحمة والرفق والحفاظ على حياة الحيوان والأشجار. ‏

فإلى من ينتمي دعاة الحرائق والاغتيالات وقطع الرؤوس والتمثيل بالضحايا الأبرياء؟ ‏

لا شك أنهم لم يعوا إن قرؤوا قول نبي الإسلام: إياكم والمثلة ولو في الكلب العقور. ‏

وهل سمحت لهم نفوسهم المظلمة بالتعرّف إلى حجم السماحة في السيرة النبوية حين رفض محمد صلوات الله عليه أن يؤتى بسفانة بنت حاتم الطائي أسيرة وهي ملحدة، لأن أباها كان رمزاً لمكارم الأخلاق. ‏

تستدعي الكوارث والمقاتل الدامية اليومية بين أهلنا وإخوتنا في العراق، إعلان النفير العام بين كل الحكماء والعقلاء والغيورين على الدماء البريئة والكرامة المطعونة والأرض المنهوبة والمستقبل الغامض المخيف، ليبحثوا عن مخارج نجاة من المحنة المطبقة، وأحسب أن الثقافة هي الملاذ. ‏

ففي وجدان الناس، كل الناس في بلادنا، تتأصل ثقافة العيش المشترك، ولدى بسطاء الناس من كل المذاهب وكل الأعراق، قيم وعادات وتقاليد تكاد تكون واحدة، والفوارق التي تميز فريقاً أو جماعة تشكّل إضاءة وتلويناً وجماليات تضيف إلى الخصائص وتسهم في تعميق الروابط التي تجمع أكثر مما تفرق. ‏

... والأعياد والمناسبات الوطنية والدينية والاجتماعية، يتشارك الجميع في إحيائها وتبادل التهاني وتقاسم الأفراح والأتراح مع مراعاة الخصوصية بأنواعها. ‏

من هنا أرى مسؤولية الأكاديميين والكتّاب والمفكّرين ورجال الدين إضافة إلى السياسيين وقادة المجتمع، أراها كبيرة في إحياء ثقافة التسامح واستحضار صورها المضيئة التي يمتلئ بها الوجدان الشعبي، إضافة إلى بطون الكتب. ‏

... وعندما يصبح الحوار مادة حياة وجسر تواصل بين الفرقاء، أحسب أن كثيراً من عناصر الاحتقان ومقومات التطرّف ستضمر وتذوي بالتدريج، خاصة أن العدو المتربص بالجميع مكشوف، ومخططاته برغم محاولات الاحتماء بعناوين الديمقراطية وحقوق الإنسان باتت أضعف من خداع السواد الأعظم من الناس في بلداننا وفي العالم كله. ‏

فهل يعي الذين يقتلون إخوتهم أو الذين يحرضون أو يصمتون عن التحريض أو الذين يصدقون أبواق المحتلين المعلنة أو ذات الأقنعة المختلفة أنهم أسارى خداع فيسارعون إلى وقف النزيف المؤلم وعودة روح الإخاء والتعاون والعمل الإنقاذي المشترك؟.‏


   

الصفحة الرئيسية

سورية في سطور
السيد السفير
شؤون السوريين
Visas التأشيرات
القسم التجاري
شؤون الطلاب
مقالات مختارة
عناوين مفيدة
الاتصال بنا

جميع الحقوق محفوظة - تصميم المهندس علي محفوض © 2006