وما يزيد في الألم والمرارة أن ينابيع
وأنهاراً جديدة تفجّرت في أرضنا وحصلت على
أوسع دعم ورعاية من الدول العظمى،
والمفارقة أن زيادة جريان الينابيع
والأنهار لا يعوض عن النقصان الكبير في
الأنهار والينابيع القديمة، وإنما يكرّس
حالة الجفاف ويقود الى التصحر، ويهدد
بالتقهقر والانهيار كمقدمة الى ما يشبه
الانقراض والزوال.
... وما أحسبني أقول
ألغازاً لم يكتشفها القارئ، فما حدث ويحدث
في العراق وفلسطين ولبنان، وقبلها
وأثناءها في أفغانستان والصومال والسودان
وغيرها من مواقع التجارب التي برعت
الامبراطورية الأميركية وحلفاؤها وتابعوها
وأجراؤها في تفجير الصبيب المتدفق من
الدماء تحت عناوين ومسميات لا تخفى عليكم،
وقد أدمنتم مشاهدة الدماء والحرائق
والدمار والاغتيالات المبرمجة الفردية
والجماعية، وسقطت المفاجآت وعناصر الدهشة
جرّاء الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان
وكرامته، ولمواثيق الأمم المتحدة
وقوانينها، ولتعاليم الديانات السماوية
جميعها، ولقيم الإنسانية بكل ألوانها
ولغاتها وحضاراتها وثقافاتها.
وما أحسب أميّاً في
هذه المنطقة لا يستطيع أن يروي ما يكفي
مؤونة إرسال يوم كامل إذاعياً وتلفزيونياً
عن فظائع وجرائم بالغة الوحشية والقسوة،
حدثت في مدن وقرى ومخيمات ومشافي وملاجئ
وحضانات أطفال في طول هذه المنطقة وعرضها
بالسلاح الأميركي المتطور، من طائرات
وبوارج وصواريخ وقنابل حارقة من كل
الأحجام والاستطاعات بأيدي الجنود
الأميركيين والبريطانيين والمتعددي
الجنسيات، وعبر القوات الإسرائيلية
الفائقة الحقد والكراهية والجشع ضد كل
مظاهر الحياة الإنسانية والبيئية
والحضارية، في فلسطين والعراق ولبنان وكل
دنيا العرب، فضلاً عن امتدادات هذا الحقد
القاتل المدعوم أميركياً وغربياً الى
البلدان الإسلامية وغير الإسلامية التي
يمكن أن تشكل اعتراضاً أو رأياً مغايراً
أو أي لون من ألوان الممانعة أو التمسك
بالهوية الحضارية والثقافية ورفض الانصياع
الأعمى للنمط الأميركي في السياسة
والتفكير والإنتاج والحياة بعامة.
... والأدهى من كل
صنوف العدوان والظلم والقهر وكل ألوان
القتل والاغتيال والإبادة، أن يكون
المطعون والثاكل والمحتلة أرضه والمنتهكة
حقوقه وكرامته، أضعف من أن يكشف اللعبة
الخطرة التي رسمها له الطامع والمحتل
والقاتل.. فيزلق الإخوة والأشقاء والجيران
وأبناء المصلحة الواحدة الى الفتنة
والحروب العبثية المؤسفة، الأمر الذي نرجو
أن يكشفه المخدوعون سريعاً بمحاكمة بسيطة
جداً هي: من المستفيد من كل هذا الخراب؟..
وأراني متفائلاً
بازدياد علامات الصحو والوعي والحذر
متزامنة مع ازدياد أصوات الرفض والاستنكار
في المجتمع الأميركي والمجتمعات الغربية
ضد سياسة التمييز والهيمنة المتوحشة بما
تعنية من تهديد لأمن العالم واستقراره دون
استثناء.