عرفت إلياس مسّوح كاتباً وصحفياً متميزاً،
والتقيته لاحقاً لأكتشف فيه طفولة جميلة،
ترشح من قسماته وكلماته وهو يتحدث عن
أصدقائه وعن الأمكنة التي يعشقها في وطنه،
وهي كثيرة، تكاد تكون خارطة الوطن.. من
مرمريتا (مسقط رأسه) الى صافيتا ودريكيش
ومصياف والقدموس وبانياس وصلنفة وكسب
ومعرة النعمان وجبل الأربعين وقلعة حلب
وعفرين ومنبج ونواعير حماة ومحردة والرستن
وتدمر والميماس وكل مرابع ديك الجن الحمصي
انتقالاً الى دير عطية ويبرود ومعلولا
وصيدنايا فالزبداني وبلودان ومضايا وكل
مرافئ الذكريات في دمشق والغوطتين كما في
السويداء وحوران وشاطئ الفرات وكل سورية،
التي ملأت قلب وعقل ودفاتر هذا الكاتب
الانسان، حين أقام في ربوع سورية، أو تلك
السنوات الطويلة التي عاشها في الكويت
كاتباً مرموقاً ومديراً لتحرير واحدة من
كبريات الصحف الكويتية في ستينات وسبعينات
وثمانينات القرن المنصرم.
وقد سمحت لي هذه
السنوات الأخيرة أن أتعرف الى إلياس مسّوح
في مرآة الكويتيين وفي مرآة السوريين
المقيمين في الكويت، فأسعدني نجاحه ودفء
علاقاته الانسانية وعمق انتمائه الوطني
الأصيل المبدع، وفي هذا الرصيد الغني
العزاء الحقيقي في رحيل هذه القامة
الوطنية الابداعية المضيئة.
أما عصام الزعيم الذي
سبق بغيابه المفاجئ رحيل إلياس مسّوح
بأيام قليلة، فقد أحدث صدمة وغصة لدى
الكثيرين الذين رأوا فيه مفكراً اقتصادياً
عميق الرؤية تجاه سورية ومستقبلها وضرورة
تضافر الجهود واستثمار كل الامكانات
والكفاءات الوطنية للنهوض بالمشروع
التنموي التطويري الطموح الذي يقوده السيد
الرئيس بشار الأسد.
لم يكن عصام الزعيم
الوزير أقل تواضعاً وحرارة ودّ تجاه
الأشخاص البسطاء والعاديين الذين ربطتهم
به معرفة أو ظروف عمل في مراحل مختلفة، بل
بقي يشبه نفسه دائماً، بابتسامته العذبة..
وعاطفته السخية.. ووفائه للقيم التي
اعتنقها.. وللأصدقاء الذين أحبهم في فتوته
وشبابه وشيخوخته، مع أنه لم يخسر فتوة
الروح وتوقد الطموح ودهشة الاكتشاف طوال
حياته.
وهو ـ شأن إلياس مسوح
ـ أمضى سنوات طويلة خارج سورية، خبيراً
اقتصادياً وأستاذاً جامعياً في البنوك
والجامعات الأوروبية، وقد حمل سورية في
قلبه ووجدانه فكان مثال الغيرية والاخلاص..
أكاديمياً وكاتباً ووزيراً.
صديق وفيّ للكتاب،
دؤوب في رصده لتطورات العلوم الاقتصادية
دون ان يهمل هواية الآداب والفنون التي
منحته علاقات واسعة وجميلة في عالم
الكتّاب والشعراء والرسامين والموسيقيين
ونجوم التمثيل والاخراج.
وكان في علاقاته
جميعها لطيف المعشر، عذب الحديث، عميق
الرؤية، كريم النفس، عفّ اليد واللسان،
وقد ترك صوراً ملونة من النجاح والوفاء
والابداع الفكري، هذه الصور هي التي تنوب
عن عصام الزعيم في ملء مساحة الجمال
والضوء والعطاء التي جسدها في مرآة الوطن
الذي أحب ومنحه عمره وفكره.
رحم الله العاشقين
الراحلين الخالدين: عصام الزعيم وإلياس
مسّوح وأسمح لنفسي ان أستعير قول الشاعر
في وداع صديقين:
«جمال ذا الدهر كانوا
في الحياة وهم ـ بعد الممات جمال الكتب
والسير»