هواجس برسم العقلاء

بقلم سعادة السفير علي عبد الكريم علي

أمام الكوارث المأساوية التي تعصف بالطبيعة والإنسان في غير مكان من هذا العالم، تفاءلنا بتراجع الغطرسة ولغة القوة لأن جوائح الفيضانات والعواصف والزلازل لم تستثن أصحاب القنابل الذرية والأساطيل والصواريخ العابرة للقارات.

لكن الجشع الذي يستعمر نفوس الساسة والمتحكمين بمصائر البشرية لم يتراجع، ولم تفلح صرخات الأطفال والأمهات الثكالى والمفجوعين والمذعورين بفعل الكوارث الطبيعية في إقناع الراغبين في مضاعفة ملياراتهم بإعادة النظر في عدوانهم على الطبيعة وعلى شروط الحياة الإنسانية التي توجب معالجة أسباب الانفجارات والبراكين والانقلابات المناخية. ‏

ويتقدم هذه العوامل الجنون المفتوح للصناعات الحربية واستخداماتها التي تفسد كل شيء، وتغتال مقومات التوازن والاستقرار في البحر واليابسة والهواء، وبالتالي تغتال حياة الناس وأمنهم باستسهال وعبثية تدميرية لا يجد العقل السليم لها تبريراً أو إقناعاً خاصة أن إمكانية أن ينأى الجشعون والمغامرون والمتغطرسون بأنفسهم وثرواتهم عن دائرة الخطر أمر متعذر تماماً. ‏

ويكفي أن نراجع حجم الضحايا والدمار والأمراض القاتلة في البلدان الغنية والفقيرة على حد سواء لندرك أن الجنرالات المدججين بالسلاح والممسكين بأزرار القنابل الذرية ومعهم أصحاب الشركات الضخمة والاستثمارات المتوزعة على خارطة العالم في الشرق والغرب وكل مكان، هؤلاء وغيرهم من الأقوياء والأغنياء لم يستطيعوا إقناع السرطان والإيدز وتصلب الشرايين والذبحة القلبية بعدم الدخول إلى قصورهم أو حصونهم أو مخادعهم المخملية، ولم يضمنوا لأسرهم وأعوانهم ومريديهم السلامة، فقد سقط الكثيرون في كمائن الإرهاب الأسود الذي أسهم بعضهم في زراعته وسقايته وتنميته السريعة، كما حصدت أمراض الإيدز والقلب والشرايين والسرطان العديد منهم وهم في أوج اطمئنانهم إلى فحولتهم وإلى لياقتهم البدنية وإلى التزام الوصفات الغذائية والوقائية واعتماد الشركات الأمنية المتطورة لضمان الحماية والأمان عبر أحدث تقنيات العصر. ‏

والأمثلة تملأ ذاكرة الجميع وهي شاخصة يومياً في نشرات الأخبار باللغات جميعها وفي كل بقاع العالم، ولكن المؤلم والمؤسف والمحيّر هو ارتفاع معدل الجريمة بأنواعها ومعدلات الوفيات بالأمراض السارية المعروفة، وبالأمراض المتوالدة من أرحام الحروب والكوراث والاستخدامات المتعددة للطاقة وللسلاح النووي والكيماوي والجرثومي. ‏

والحروب المفتوحة على الإرهاب ـ حسب إعلانات الدول العظمى ـ لم تقض على الإرهاب ولم تحد منه، بل ضاعفت الأعمال الإرهابية ووسعت مساحات تحرك الإرهابيين وارتفع منسوب القتل الأعمى والمقصود إلى حدود مذهلة ومرعبة، ولكن تحت عناوين ومسميات غير قابلة للحصر أو التبويب الثابت أيضاً. ‏

وما يزيد من الحيرة والارتباك ويوصل إلى تخوم الجنون أن أقوياء العالم والمتحكمين بمصائر شعوبه لا يزالون في دائرة المكابرة ورفض الإقرار بالحقائق، فالعراق بعد تشريد الملايين من أبنائه وقتل مئات الألوف بالقصف الجوي أو الأرضي أو بالقنابل والسيارات المفخخة المجهولة الهوية والمستولدة بفعل الاحتلال الأمريكي والشركات الأمنية في معظم الأحيان. ‏

هذا العراق الممزق النازف المشلول يقول عنه الرئيس الأميركي: إنه ذاق طعم الديمقراطية لأول مرة بعد عقود من الديكتاتورية، وتسمح أعداد القتلى من الجنود الأميركيين وهي بالآلاف لجنرالات الجيش الأميركي بالتفاخر بإنجازاتهم الأمنية وانتصاراتهم التي يتبادلون على أساسها الثناءات والأوسمة. ‏

ويزيد في المفارقة المؤلمة أن العراقيين المشردين أو المحاصرين أو المقتولين والمرشحين للموت كل يوم يتقاتلون فيما بينهم وقد يقتل بعضهم بعضاً بقسوة لا تقل عن شراسة المحتل دون سبب إلا ما زرعه هؤلاء الذين حرصوا على إزاحة الديكتاتورية وإهداء الديمقراطية إلى العراق، فهل يصحو ضمير القاتل أم تتنبه الضحية قبل الوقوع في الشرك؟ وهل يدرك الاثنان أن السلامة لا تتحقق بغير التوازن والعدل واحترام الحقوق للجميع؟. ‏

أسئلة وهواجس وانفعالات برسم العقلاء في عالم يحكمه المجانين.


   

الصفحة الرئيسية

سورية في سطور
السيد السفير
شؤون السوريين
Visas التأشيرات
القسم التجاري
شؤون الطلاب
مقالات مختارة
عناوين مفيدة
الاتصال بنا

جميع الحقوق محفوظة - تصميم المهندس علي محفوض © 2006