مؤلم أن نفتح أعيننا
كل يوم على أشلاء إخوة لنا... وعلى حطام
صروح ومتاحف ومشاف وجامعات، فلا نحتفظ
بالصور...
ولا نستوعب الدرس والعبرة، بل تعقد ألسننا
الدهشة وتصدر عنا تأوهات وصرخات استنكار
واستغراب وإدانة أمام الجريمة الثانية
والثالثة والمئة والألف دون أو نسأل
أنفسنا عن السبب، ومن المستفيد من هذه
الجريمة أو تلك، بل نردد ما يروجه لنا
الآخرون حتى لو كانوا في طليعة المستفيدين
من هذه الجرائم، فنغرق في دوامة الاتهامات
الساذجة، وربما اندفع فريق إلى القصاص من
فريق آخر على خلفية الروايات الإعلامية أو
الشائعات المدروسة التي تسبق أو ترافق أو
تتلو الجرائم، وتصبح كل جريمة تربة خصبة
لتوليد واستنبات جرائم أخرى لا حصر لها.
ففي اليوم الواحد
تتناثر دماء الأطفال والنساء والرجال
والشيوخ في غزة ورام الله ونابلس وكل
الأرض الفلسطينية... وفي البصرة والموصل
وبغداد وكركوك وكل الأرض العراقية،
وتتوالى في الوقت ذاته أنباء الدماء
المهدورة في الصومال والسودان والجزائر
والمغرب وأي مكان يختاره المتربصون بهذه
الأرض، فيجندون أدواتهم المباشرة المدربة
في الشركات الأمنية الاسرائيلية
والصهيونية المتعددة الجنسية، أو يدفعون
بأساليبهم المركبة المدروسة أصحاب الأفكار
والاتجاهات المتطرفة إلى تنفيذ هذه
الجرائم تحت عناوين ومسميات دينية أو
عقائدية أو عرقية أو غيرها.
وتعود وسائل الإعلام
والدوائر السياسية الاستراتيجية إلى توظيف
انفعالاتنا وردود أفعالنا التي سبق لها أن
هيأت لها ومهدت ووضعت السيناريوهات،
ونبتلع الطعم مرة وألف مرة، ونبكي على
شهدائنا وأبريائنا وعلى ممتلكاتنا دموعاً
غزيرة لكنها سرعان ما تجف أو تتحول إلى
أحقاد وضغائن أرادها لنا أصحاب
السيناريوهات الجهنمية الخطيرة، فيقتل
الفلسطيني أخاه، وكذلك العراقي والسوداني
والصومالي، وعندما ترتفع أصوات الذين
يعرفون الحقيقة ويدركون أسرار اللعبة
الخطرة ويطلقون تحذيراتهم، نجد من يتربص
بهم وينصب لهم الكمائن فيقتل بعضهم ويسجن
بعضهم الآخر ويلوذ آخرون بالفرار أو
ينطوون على أنفسهم حاصدين الخيبة
والمرارة.
ولبنان البلد الصغير
الجميل هو الآخر ضحية هذه اللعبة
الجهنمية، فقد شهدت أرضه على امتداد
مراحله الزمنية والسياسية المعاصرة
اغتيالات وصراعات مركبة حزبية وطائفية
وغير ذلك، وبالرغم من انكشاف الأيدي
الاسرائيلية والأميركية والغربية في أحداث
الماضي القريب والأبعد قليلاً في اغتيالات
القادة الفلسطينيين واللبنانيين من كل
التيارات والانتماءات في الستينيات
والثمانينيات والتسعينيات، وبالرغم من
الاجتياح الاسرائيلي المباشر واحتلال
بيروت عام 1982، وبالرغم من الوحشية
التدميرية المروعة التي استخدمتها قوات
الاحتلال أعوام 78 و82 و83 و96 وكل فترة
احتلال الجنوب حتى اندحار الاحتلال
وعملائه في أيار عام 2000 وصولاً إلى
العدوان الاسرائيلي الشامل على لبنان صيف
2006 وصمود وانتصار المقاومة الذي أربك
حسابات المحتل والقوى الداعمة له، على
الرغم من كل هذا السجل الطويل من الجرائم
الاسرائيلية ضد لبنان «الأرض والإنسان
والدور» ما يزال الكثيرون منا «لبنانيين
وعرباً وأصدقاء وحلفاء» يؤخذون بالشائعات
والسيناريوهات التي يرسمها أولئك الذين
منعوا اصدار إدانة لمجزرة مخيم جنين وكل
الجرائم اليومية بحق الشعب الفلسطيني،
ومنعوا صدور قرار وقف إطلاق النار في
عدوان اسرائيل على لبنان 2006 بالرغم من
مجازر الأطفال والأحياء السكنية في الجنوب
والبقاع وبيروت وكل لبنان، وما زالوا
يمنعون الماء والكهرباء والدواء والهواء
عن شعبنا الفلسطيني في كل الأراضي
الفلسطينية المحتلة وما زالوا يخترقون
الأجواء والمياه اللبنانية غير آبهين
بالقرار 1701 وغيره من قرارات ومواثيق
الأمم المتحدة.
ومع ذلك لا يجد بعضنا
ـ مع الأسف ـ حرجاً من توجيه الاتهام في
التفجيرات والاغتيالات التي أزهقت أرواحاً
بريئة ودمرت مؤسسات وممتلكات، إلى كل
الأطراف، ما خلا المستفيد الحقيقي من
مسلسل الدم والدمار وآخره الشهيد العميد
فرانسوا الحاج ورفاقه، فهل نمتحن ذاكرتنا
ووعينا قبل فوات الأوان؟.