تزدحم أخبار التفجيرات
والاغتيالات والمداهمات والمصادمات في
منطقتنا وفي مناطق كثيرة أخرى من هذا
العالم، وتأخذ هذه الأخبار مسميات مختلفة
تصل حد التناقض، لكن النتيجة واحدة هي
إزهاق أرواح كثيرة من كل المواقع
والاتجاهات والانتماءات.
صحيح أن ثمة مستفيدين كباراً وصغاراً خلف
المشاهد الدامية، يستثمرون الأرواح
والدماء لزيادة أرباحهم وتوظيف
استثماراتهم، لكن الأكيد أيضاً أن هؤلاء
أنفسهم لا يستطيعون العيش بجزر معزولة
آمنة وهم مرغمون على اقتسام الموت والخوف
وأقله القلق مع ضحاياهم.
ويكفي أن نتوقف عند
تجربة الاحتلال الأميركي للعراق لندرك
الحقيقة المرة المفزعة.. فالجيش الأقوى في
العالم والمسلح بأعتى وأفتك الأسلحة
التدميرية، يعاني بعد أكثر من أربع سنوات
على غزو العراق من حالات الانهيار العصبي
وانفصام الشخصية والعجز بأنواعه، فضلاً عن
حالات الانتحار والهرب في صفوف القوات
المسلحة، وفق ما تنشره وسائل الإعلام
الأميركية والمواقع الالكترونية ومراكز
الدراسات المختلفة.
أمام هذه الاندفاعة
المجنونة لاستخدام القوة المفرطة بقصد
تحقيق التفوق واحتكار الثروات وبسط
الهيمنة، لم تستطع قوى الاعتراض والشك
والحكمة والغيرة الوطنية الأميركية وقف
مسلسل الحروب العدوانية الاستباقية بكل
تبعاته الكارثية على المناطق والشعوب
المستهدفة وعلى الشعب الأميركي والشعوب
الأوروبية في آن معاً، على الرغم من تعاظم
واتساع دوائر الرفض والتشكيك ووصولاً الى
بعض أشكال المواجهة واجهاض بعض المخططات،
وماجرى ويجري في مجلس الشيوخ الأميركي
شواهد حية مستمرة، لكنها، على أهميتها
وجدارة دورها، لم تفلح حتى الآن في وقف
الهياج الجشع الى التدمير والهيمنة لدى
الإدارة الأميركية و ما تمثله من تيارات
ومراكز قوة ونفوذ متعددة الأشكال
والاختصاصات.
...أمام هذه الصورة
المركبة المعقدة المرعبة التي تجسدها
السياسة الأميركية في منطقتنا اليوم، ألا
يجدر بنا «كضحايا» القيام بما نستطيعه،
لإنقاذ حياتنا وتحصين أجيالنا والتعاون مع
الشعب الأميركي لوقف حلقات هذا المخطط
الجهنمي القائم على العدوان وزراعة الفتن
العرقية والطائفية والمذهبية واغتصاب
الثروات؟!.
وأحسب أن ما نستطيعه
كبير جداً إذا ما تمردنا على العجز والخوف
المسيطرين علينا أفراداً وتنظيمات
وحكومات.
فإذا خرجنا من حصار
العجز والخوف مع القادة والوزراء
والجنرالات والسفراء والمندوبين
الأميركيين والأوروبيين فسيفقد الخطاب
العدواني ذريعته مادامت هيئة الطاقة
الذرية الدولية ورئيسها يرفضون تقديم هذه
الذريعة ويقولون: بعدم وجود دليل حتى الآن
على عسكرة المفاعلات النووية الإيرانية
وتحولها عن طبيعتها السلمية التي تقرها
القوانين الدولية لجميع الشعوب.
وبعد أربع سنوات ونصف
من التدمير والقتل العشوائي واستنبات كل
أشكال التنظيمات الارهابية بمسميات عرقية
ودينية متطرفة متعددة في العراق والتي
قتلت وشردت ملايين الأبرياء، وترشح ملايين
كثيرة أخرى للمصير نفسه، إذا لم نستوعب
اللعبة الخطرة التي تدفعنا اليها الإدارة
الأميركية مستخدمة القنابل والألغام
الطائفية والمذهبية والعرقية في العراق
وإيران والخليج والمنطقة كلها.
.. لكن الأمل كبير بأن
الخوف على الحياة والمصالح دفع ويدفع
أصدقاء أميركا قبل المحايدين والرافضين من
شعوب هذه المنطقة للتفكير بعواقب ما
تقودهم اليه إدارة اميركية، تقول كل
القراءات الاستراتيجية: إنها إلى خسارة
محتومة، ليس في الانتخابات الأميركية
القادمة فحسب، بل في كل معاركها الداخلية
والخارجية، فهل نربح أنفسنا ونخفف على
شعوبنا وعلى الشعب الأميركي كوارث جديدة
قبل فوات الأوان؟ أمنية لا أراها صعبة
المنال.