جميلة، رصينة، مكتنزة،
تكمل عامها الخمسين بعد أيام معدودة،
لكنها لم تفقد رونقها وجاذبيتها وحماستها
إلى التجديد والتألق، فهي في مرآة نفسها
ومرآة أصدقائها وعشاقها مازالت تحتفظ بقوة
الادهاش والمفاجأة تمد البصر والبصيرة إلى
المستقبل لترسم الطريق إليه، عبر الموهبة
والحوار واحترام الآخر، والانفتاح على كل
مضيء في الثقافة والابداع دون أن تسمح
لمسيرتها الفنية بالغرور أو الانزلاق إلى
ما يبعدها عن مرآتها الكاشفة، التي تقف
أمامها دائماً، لتراجع خطواتها وتقوم
انجازاتها وتعيد النظر، في الشكل
والمحتوى، في الحفاظ على الجذور وجمال
الموروث، و في احتضان الابداع والتجديد
وتحريض المفكرين والكتّاب والمبدعين من كل
المدن والأرياف العربية ومن أصدقاء اللغة
العربية في العالم كله.
هذه الصبية الأنيقة المكتنزة اسمها مجلة
العربي، تحتفل ونحتفل معها باليوبيل
الذهبي، وأراها جديرة بأن تضيء جامعة
الدول العربية الشموع في عيد مجلة العربي
الخمسين، وأن نقف أمام هذه التجربة بما
تستحق من القراءة الناقدة المقارنة مع
تجربة الجامعة العربية ومؤسساتها المختلفة
السياسية والاقتصادية والثقافية، أملاً في
أن تعتمد هذه التجربة أنموذجاً وقدوة
ومثالاً في العمل القومي الصحيح، فمجلة
العربي حافظت على شعور عال بالمسؤولية
تجاه النصوص الابداعية والدراسات
والتحقيقات والمراسلات والإعلانات وكل
أبواب المجلة الثابتة والمتغيرة، فقد فتحت
صدرها وقلبها وجناحيها للعربي في المشرق
كما في المغرب كما في الكويت مركز
الانطلاق والرعاية، فلم تسمح للعصبية بكل
أجناسها وأطيافها الدخول إلى عالمها.
وبناء على ذلك آثرت
الوفاء للغة العربية وجمالها وعبقريتها في
الفنون الابداعية المختلفة، وكانت صفحاتها
عبر خمسين عاماً منبراً متميزاً لاكتشاف
واحتضان الشعراء والروائيين والقصاصين
والنقاد والمفكرين والدراسين والمستشرقين
من كل بلدان العالم.
لقد تعرفت أجيالنا في
المشرق والمغرب وكل مكان تصل إليه هذه
المجلة (الهدية) إلى جغرافية الوطن
العربي، فاكتشفوا الكنوز التاريخية وجمال
المدن والقرى والبوادي، وأدركوا بالكلمة
والصورة عمق الصلات والروابط بين أبناء
اللغة الواحدة، وسمحت لهم هذه المجلة
«المدرسة» بالاطلالة على مساحات الابتكار
والالفة والتسامح والحب في البيئة العربية
المتنوعة في الخليج وفي البادية وفي
الجبال الخضراء وفي المدن العريقة وفي
التجمعات السكنية حيث مصادر العيش
المختلفة.
تستحق منا مجلة العربي
التحية والعرفان في عيدها الذهبي، ويستحق
القائمون عليها ورعاتها في دولة الكويت أن
نعترف لهم بأستاذية هذه التجربة وريادتها
وجدارتها بأن تعتمد مثال العمل العربي
المشترك الناجح والناصع، في زمن كثرت فيه
الانهيارات المؤلمة لمقومات العمل العربي
المشترك.
وما تشهده المنطقة
العربية من نذر الفتنة والانقسام وضياع
الرؤية في تحديد الخطر والعدو الحقيقي،
يحدونا إلى الاعتصام بالأرض واللغة
والكرامة والحقوق وصيانتها جميعها من خلال
رفض الانجرار إلى أسباب الفرقة والفتنة
والانقسام.
ولنا عدو واضح يغتصب
الأرض ويمارس أبشع أساليب القهر والتهجير
والتدمير فلا مبرر لنا جميعنا أن نفقد
البوصلة، التي أرى أن مجلة العربي احتفظت
بها طوال عمرها الجميل المضيء المتجدد.