مع الانخفاض المتسارع
لرصيد أميركا من المحبين والأصدقاء كما
تشير استطلاعات الرأي داخل أميركا
وخارجها، أراني مدفوعاً للدفاع عن وجه
أميركا الآخر وصورتها التي تختلف كثيراً
جداً عن صورة القاتل والمغتصب والسادي
والجشع والمتجبر المغرور.
فقد سمحت لي ظروف عملي خلال سنوات طويلة
أن ألتقي أعداداً غير قليلة من الأميركيين
خارج أميركا، وأن أدخل منازل العديد من
الأسر الأميركية في أكثر من ولاية أميركية
عندما زرت أميركا قبل سنوات، حيث فاجأتني
إلى حدود الدهشة عفوية الكثيرين من
الأميركيين وبساطتهم في العيش والتفكير،
ولا أبالغ إذا قلت: إن نسبة كبيرة من
الأميركيين علاقتهم متواضعة بالسياسة أو
ربما يجهلون أسماء بلدان تقيم دولتهم
علاقات صداقة معها أو تدعي حماية حقوق
الإنسان فيها.
.. وحماسة الأميركي في
التأييد أو الرفض تحكمها معادلات الحياة
اليومية والحاجات الأساسية أكثر من
الانتماءات الفكرية والعقائدية والسياسية،
وأذكر في هذا السياق أن أسرة أميركية تضم
ثلاثة أشخاص (زوجان، محام وطبيبة وابنة
وحيدة في السادسة من عمرها) التقينا على
مائدة عشاء في منزل الأسرة بمدينة أوستن
قبل أكثر من عشر سنوات، ولأن الأم من أصول
عربية فقد كان الحوار متركزاً على
العلاقات العربية ـ الأميركية وموقف العرب
من إسرائيل، وقد اتضح لي أن الزوج المحامي
وكذلك الزوجة (رغم أصولهما العربية) لا
يعرفان عن الصراع العربي ـ الإسرائيلي
وتاريخ نشوء إسرائيل وأوضاع الفلسطينيين
والعرب جرّاء قيام إسرائيل، ودور الولايات
المتحدة الأساسي في كل ذلك وفي تداعيات
هذه القضية المتفجرة منذ ما يقرب الستين
عاماً، لا يعرفان إلا القليل المحاط بكثير
من التشويش.
.. وقد كانت مفاجأة
المحامي المضيف كبيرة حين وافقته على
انضمام زميل له (يهودي أميركي) إلى مائدة
العشاء.. وعقّبت على مفاجأته بأننا في
سورية وفي المنطقة العربية كلها الآن وقبل
عشرات ومئات السنين، يتعايش أبناء الأديان
المختلفة، وفي سورية خاصة تتجاور الجوامع
والكنائس والكنس في جو من الاحترام
والتآخي.
أما الأسواق التجارية
والمدارس والجامعات، فلا أحسب أن التمييز
بين المواطنين على أساس دينهم وارد أبداً،
بل على العكس من ذلك يشعر السوري
بالارتباك والحرج عندما يُسأل من قبل
الآخرين عن تصنيفه على أساس ديني.
وكانت سعادتي كبيرة
بالمقابل في ختام اللقاء لما أظهره
الأميركيون الثلاثة من تفهم لقضايانا ومن
استعداد لمراجعة المعلومات لديهم ومواقف
أميركا تجاه العرب عامة وتجاه الصراع
العربي ـ الإسرائيلي خاصة، وأسعدني أن
الأم شعرت بالرغبة في تعلم اللغة العربية
التي هي لغة أجدادها، وشاركت الطفلة
الصغيرة في ترديد بعض المفردات العربية.
.. وإذا انتقلنا إلى
محترفي السياسة والعاملين في توجيه الرأي
العام الأميركي فإننا سنجد مفكرين
وأكاديميين وكتّاباً وجنرالات وسفراء
وأعضاء كونغرس ورجال دين وفنانين ورجال
أعمال، لا ينسجمون مع منطق الاستعلاء
والغطرسة ولغة القوة والحروب الاستباقية
و(من ليس معنا فهو ضدنا)، بل يرفضون
ويدينون سياسة الإدارة الأميركية وبدؤوا
يرفعون الصوت أعلى فأعلى خوفاً على مستقبل
أميركا ودفاعاً عن صورة الأميركي في مرآة
العالم، بعد أن تراجعت شعبية أميركا
واهتزت صورتها حتى لدى أصدقائها وحلفائها
التقليديين.
وأشارك الأميركيين
قلقهم على صورة أميركا ورصيدها من
الاحترام والمودة، لأن لنا مصلحة في تصويب
السياسة الأميركية ومراجعة المعادلات التي
تنطلق منها في علاقاتها مع العالم وفي
حروبها المفتوحة على العالم كله.
وقد حرضني على كتابة
هذه الزاوية ما أدلى به المرشح الرئاسي
الديمقراطي عضو الكونغرس السيناتور دينيس
كوسينيتش في حوار تلفزيوني على إحدى
الفضائيات، فقد قدم نفسه محباً لبلده،
غيوراً على صورة أميركا، حريصاً على
احترام حقوق الآخرين وكراماتهم والتدقيق
في الكلمة والموقف، لأن في ذلك جسر عبور
إلى الأمن والاستقرار في بلده وفي العالم،
وليس استسهال الحرب وإلغاء الآخر والقفز
على الحقائق والعبث بقيم العدل والحرية
والديمقراطية والجمال.
وما نرجوه أن تصل
الحقائق ويصل أصحابها إلى مرآة الناخب
الأميركي أملاً في تفادي كوارث يحلم بها
المغامرون والمقامرون.