انتصار الجيش اللبناني
في معركته الطويلة ضد التنظيم الارهابي
المسمى «فتح الإسلام» حمل دلالات كثيرة،
لا تنحصر في معاني النصر العسكرية على
مجموعة خطرة فحسب، وما أراني مبالغاً إذا
قلت:
إن هذا الانتصار ويومياته الدامية التي
امتدت أكثر من مئة يوم منحت لبنان
ومواطنيه بكل أطيافهم وولاءاتهم
وانتماءاتهم «على تعددها وتداخلها» المرصد
والضوء والبوصلة، فقد توحد الدم وتوحد
الدمع وتوحدت نداءات الرجاء، فطرابلس
وبيروت وصيدا والبقاع وعكار والشوف والمتن
وكسروان وكل لبنان.. شارك في ضريبة الدم
وضريبة الألم وضريبة القلق المتعاظم طوال
أيام الحرب.. والشهداء الذين قدمهم الجيش
كانوا من كل لبنان وافتدوا بدمائهم
الطاهرة وحدة لبنان ومستقبله، وكانت
دماؤهم الموحّدة المضيئة افتتاحاً لحوار
حقيقي عميق كان السياسيون قد وضعوا رتاجاً
عليه وحاولوا تفجيره، كل بطريقته ولمآربه
التي تقود في نهاية المطاف الى خسارة
الجميع دون استثناء، فإذا بالجيش وشبابه
المتحمس المخلص الوفي الصادق يعيد الحوار
الى مساره الصحيح بدمائه التي تلاقت على
قواسم مشتركة ترمز الى كرامة الوطن وأمنه
واستقراره ووحدة مصيره، لأن الخطر الذي
تمثله قوى التطرف والارهاب يلتقي مع الخطر
الذي يمثّله العدوان الإسرائيلي وأطماعه
التوسعية ونزعته التدميرية العنصرية، وهو
ما جسده قائد الجيش اللبناني بإهدائه
النصر الكبير الى كل لبنان لأنه تم باسم
لبنان كله ومؤازرة والتفاف الشعب اللبناني
بكل فئاته وأطيافه ومناطقه، كما أهداه الى
شهداء الجيش والمقاومة مؤكداً، بذلك أن ما
حققه لبنان في انتصاريه الكبيرين ضد
العدوان الإسرائيلي في الصيف الماضي، وضد
الارهاب الأسود هذا الصيف إنما يرمز الى
قيمة الوحدة الوطنية وأهميتها القصوى في
مواجهة الخطرين والعدوّين. لقد تقاسم
أبناء لبنان وأشقاؤه وأصدقاؤه وكل
الغيورين على هذا البلد الجميل سعادة
الانتصار وفرحته، بالرغم من آلام الفقد
والدمار والخسائر التي لحقت بالأسر الثكلى
وبالأخوة الفلسطينيين الذين ارغموا على
مغادرة مخيم نهر البارد لكي لا يظلوا
رهائن لدى عناصر التنظيم الارهابي.
بالرغم من ذلك كله،
فما ربحه لبنان وربحه الفلسطينيون والعرب
جميعاً في انتصار الجيش اللبناني كبير
جداً وقد يكتشف المخلصون والغيورون على
أمن هذه المنطقة ومستقبلها ان اندحار هذا
التنظيم الارهابي يشكّل عامل إيقاظ لوعي
الناس ليس في لبنان فحسب وإنما على امتداد
هذه المنطقة وخارجها، في مواجهة القوى
والتنظيمات المتطرفة وفكرها التكفيري الذي
يقوم على مصادرة الآخر وإلغائه واستباحة
دمه وأمنه وماله وبالتالي تهديد الأمن
العام في المنطقة وفي العالم تحت عناوين
تحتمي بالدين إسلامياً كان أم مسيحياً أم
يهودياً أم أي معتقد آخر.
.. وأعطى انتصار الجيش
اللبناني علامة كبيرة للوحدة الوطنية
مضعفاً بذلك كل الطروحات المخالفة لذلك
بالرغم من الشحن التحريضي للعصبيات
بمسمياتها المختلفة فالبرهان ساطع لا
يحتمل إلا تأويلاً واحداً هو: جيش لبنان
الممثل لكل شرائحه وطوائفه وبقيادته
الوطنية المخلصة انتصر للبنان وكرامته
وأمنه ضد الفتنة وضد الارهاب، واعتبر ذلك
واجباً مقدساً يجب استثماره من قبل
السياسيين لمصلحة توحيد مواقفهم ونبذ
خلافاتهم واعتبار وحدة الوطن حصانته التي
لا بديل عنها لمواجهة الاستحقاقات جميعاً.
.. يبقى أن يستشعر
الكتّاب والإعلاميون والصحفيون وقبلهم
أولو الأمر، سياسيين ورجال دين ووجهاء
وأصحاب نفوذ مسؤولياتهم في لبنان وفي
البلدان الشقيقة والصديقة أملاً في قراءة
منصفة متوازنة غيورة تعصم لبنان من الفتنة
ومن العطالة ومن ضياع الرؤية الكاشفة،
ونجاح لبنان ينعكس ايجاباً على أشقائه
وعلى المنطقة ويكون بداية النهاية لمخططات
جهنمية مدمرة تستهدف المنطقة كلها وليس
لبنان وحده. حمى الله لبنان وبارك جيشه
ومقاومته وشعبه.