نهر النيل والإنسان،
كانا عبر التاريخ وإلى يومنا، رمز الحياة
وقوتها في مصر العظيمة، فلم تستطع الصحراء
ـ على اتساعها وجبروتها ـ من هزيمة الخضرة
والجمال والإبداع والعبقرية في أرض
الكنانة، فصمدت الأهرامات ومراكز الإشعاع
الحضاري، وصمد نهر النيل، في وجه الغزاة
والمستعمرين وقسوة الطبيعة ومتغيّراتها،
ولم يكن ذلك ممكناً لولا خصائص ميّزت
إنسان مصر وسمحت بولادة أجيال متعاقبة من
النابغين والعلماء والمبدعين الكبار في
الفكر والفلسفة والعلوم والآداب والسياسة
والاجتماع والعمارة وشتّى صنوف الفعل
الإنساني الخلاق.
هؤلاء المتميزون من أبناء مصر كانوا
ومازالوا وسيبقون علامات الضوء، التي
تعرّف العالم بمجد الإنسان المصري وقدرته
الخارقة على ابتكار وسائل الدفاع عن نفسه
وأرضه ومستقبله.
ولأن مصر، لها موقعها
الحيوي الهام وأثرها، ليس داخل مصر فحسب،
وإنما على أشقائها وعلى المنطقة كلها
وأبعد من ذلك، في السياسة والموقف كما في
الفكر والعلوم والآداب والفنون، فإننا
نقلق على مصر وعلى أنفسنا، حين يهتزّ
ميزان القوة أو الرؤية في مصر، في أيٍ من
ميادين الفعل الإنساني سياسياً أو
اجتماعياً أو اقتصادياً أو فكرياً.
ولعلّ ظواهر التعصّب
وحصار الفكر التجديدي المتنوّر، الذي أخذ
أبعاداً وأشكالاً متعددة في السنوات
الأخيرة، أكبر مصادر القلق، خاصة إذا
أخذنا بالاعتبار امتدادات هذه الظواهر في
المنطقة والعالم، وجنوحها إلى العنف
والتطرف، بما يعنيه ذلك من تهديد للأمن
والاستقرار، ومن تشويش يصل إلى تخوم
التعطيل لحركة التجديد والإبداع الفكري
والسياسي والأدبي والفني.
فقد تناقلت وسائل
الإعلام في الأيام الماضية أنباء تخصّ
الشاعر المصري الكبير أحمد عبد المعطي
حجازي، جعلت الكتّاب والمثقفين العرب
وجمهور هذا الكاتب والمبدع الكبير داخل
مصر وخارجها، يشعرون بالصدمة والاستفزاز
والاعتداء المباشر على مشاعرهم وكراماتهم،
فلم يجد جمهور الثقافة العريض سبيلاً إلى
الاقتناع أو التبرير بأن تصدر محكمة حكمها
ببيع أثاث منزل الأستاذ حجازي بالمزاد
العلني انتقاماً من مقال له، يدعو فيه إلى
رؤية تجديدية للفكر الديني، يستند فيها
إلى جوهر الإسلام الذي يحض على التسامح
والعمل واحترام الآخر والحفاظ على حياة
الإنسان والنفاذ إلى أقصى ما يمكن من
العطاء والابتكار المتسلّح بسلطان العقل
والمعرفة.
فلم أستطع إلى ساعة
كتابة هذه السطور أن أصدق إمكانية إقدام
السلطات في مصر العزيزة على بيع أثاث منزل
واحد من أهم كتّابها، ويعرف إخوتنا في
مصر، ونعرف هنا في سورية كما يعرف إخوتنا
في المغرب العربي وفي دول الخليج وفي كل
مكان زاره أو أقام به الأستاذ حجازي في
الشرق والغرب، يعرف الجميع عنه انتماءه
الأصيل العميق الرائع لمصر العربية وحرصه
الدائم على حوار الأفكار والنصوص والمواقف
التراثية والمعاصرة بمنطق المفكّر والمبدع
الذي يحترم نفسه ويحترم آراء الآخرين
ويحاورها بالحجة لا بالمصادرة والرفض
والإلغاء.
وختاماً، أحسب أن
الغيورين على مصر وكبارها وأحمد حجازي
واحد منهم، يرفضون أن يروا مصر وشاعرها
الكبير إلا في المرآة الصحيحة التي تعلي
شأن الفكر والإبداع، وتعطي لحجازي الموقع
الذي يستحق من التكريم والوفاء لشاعريته
وفكره المضيء الذي تحتاجه مصر في يومها
وغدها.