قلق المحبين

بقلم سعادة السفير علي عبد الكريم علي

يبادر أصدقاء سورية وعشاقها من الجنسيات المختلفة الى إعلان هواجسهم القلقة تجاه سورية، حين تجمعنا مناسبات سياسية أو ثقافية أو اجتماعية وحتى اللقاءات العابرة.

أكاديمية فرنسية في العقد السادس من العمر استضافتها إحدى العواصم العربية للمشاركة في ملتقى فكري عن الروابط بين الشرق والغرب وتأثير كل منهما بالآخر ودور الآداب والفنون في ذلك، فاجأني ترحيبها الحار جداً بي عندما قدّمني إليها صاحب الدعوة في حفل عشاء أقامه على شرف المشاركين في ذلك الملتقى. ‏

قالت موجهة حديثها إليَّ وإلى الحاضرين بصوت مسموع: لقد زرت معظم بلدان العالم، وأسعدني كثيراً حوار الأمكنة وساكنيها وظلال التاريخ والثقافات والحضارات على المكان والإنسان في آن معاً، لكن سورية، كل سورية، كان لها سلطان وجاذبية آسرة، فقد زرتها مرات ومرات، وإلى الآن لا أستطيع إصدار حكم الأفضلية في مرآتي الشخصية، بين المحطات الكثيرة التي سكنتني وزيّنت صورها جدران مكتبي ومنزلي. وتضيف: أحببت دمشق وأحياءها القديمة وغوطتها والجبال المحيطة بها، حيث يطل التاريخ في كل بيت وكل قلعة وكل دير وكنيسة وجامع، اما حلب وإدلب وقبلهما تدمر وحمص وحماة وصولاً الى مصياف وصافيتا وطرطوس وجبلة واللاذقية، فلا أدري أيها أكثر حضوراً وتأثيراً.. التاريخ والآثار القديمة، أم التي يتوالى اكتشافها كل يوم على أيدي البعثات الآثارية، أم الطبيعة وتضاريسها، أما الإنسان الودود الذكي المضياف..؟ ‏

ولأن ذلك اللقاء كان بعد احتلال العراق بأشهر قليلة، وحملات التهديد والوعيد ضد سورية في أوجها، بسبب معارضتها للاحتلال منذ البداية ورفضها الإذعان للإملاءات الأميركية، فقد تساءلت الأكاديمية الفرنسية بغيرة وقلق: إلى أين تسير الأمور في العراق؟ وكيف تفسّرون استهداف متحف العراق ومكتباته الكبرى واغتيال العديد من علمائه وأساتذة جامعاته؟ ولماذا التركيز على سورية واتهامها بالوقوف وراء الأحداث داخل العراق دون أية أدلة مقنعة في كل ما يذاع وينشر حتى الآن؟. ‏

وقد تحدث عدد من الحاضرين وكانت الآراء متفاوتة الى حد التناقض، خاصة تجاه النظام العراقي السابق والمآخذ الكبرى عليه، ما جعل أحد الحاضرين يبرر الحرب على العراق ويسمي احتلال العراق تحريراً.. إلخ. وهنا عقبت الأكاديمية الفرنسية قائلة: لا خلاف على جريمة النظام السابق وارتكاباته الفادحة بحق الكويت وإيران وبحق شعبه، لكن هذا شيء، واحتلال العراق من قبل قوات أجنبية وتدمير بنية الدولة ومؤسساتها بما فيها المتاحف والمكتبات وقتل الناس بالجملة، فهذا أمر آخر، لا يمكن تبريره أو الدفاع عنه، ويعتبر ذلك خلطاً مقصوداً للأوراق، لا يستقيم أبداً أمام القانون الدولي، ولا أمام أي محاكمة منطقية. ورفضت الأكاديمية الفرنسية المقارنة بين العراق وسورية أو اتهام سورية بما تحاول بعض وسائل الإعلام تسويقه من رعاية ودعم لبعض الأعمال التي تسميها بالتخريبية أو الارهابية، وعللت رفضها بالتمايز الكبير في السياسات والمواقف السورية وفي البنية المجتمعية أيضاً، واستشهدت على ذلك بمعارضة سورية دون غيرها من دول المنطقة للحرب العراقية ـ الإيرانية، بينما كانت دول المنطقة تساند النظام السابق في تلك الحرب، ولم تدرك خطأ موقفها إلا بعد انتهاء الحرب وبعد جريمة غزو الكويت من قبل النظام العراقي السابق ذاته، وموقف سورية والرئيس حافظ الأسد معروف في إدانة الحرب الأولى ضد إيران وفي الغزو اللاحق للكويت، ولذلك فإن موقف سورية اليوم ورفضها احتلال العراق منطقي ومنسجم مع مواقف سورية السابقة، ومتسّق مع أي تفكير متوازن في الحكم على الأمور. ‏

واعتبرت أن السوريين «كما خبرتهم خلال زياراتها ولقاءاتها» يعتزّون بمواقف القيادة السورية المقاومة للاحتلال بكل أشكاله والمتمسكة بالأرض والسيادة، ويعتبرون ذلك كرامة وطنية، ويرفضون منطق الاستقواء بالأجنبي رفضاً مطلقاً، وهو في قاموسهم الشعبي والرسمي مرادف للخيانة، وقد وافقها معظم المشاركين في ذلك اللقاء ورأوا أن احتلال العراق ورطة أميركية ونتائجها وتداعياتها تحمل أخطاراً وكوارث على العراق والمنطقة وعلى أميركا وبريطانيا وكل الدول التي شاركت في عمليات غزو العراق واحتلاله تحت المسميات المختلفة. ‏

وأقرّ الحاضرون جميعهم من الجنسيات المختلفة، وضمناً الناقدون لسورية وسياستها، بأن لسورية خصائص نادرة في العيش المشترك وحوار الثقافات والحضارات يدركه زوّار سورية وقراء تاريخها، ويدركون أن سورية فيها من مقومات المناعة ما يجعل محبيها والغيورين عليها أقرب الى الاطمئنان عليها بالرغم من حصار القلق.


   

الصفحة الرئيسية

سورية في سطور
السيد السفير
شؤون السوريين
Visas التأشيرات
القسم التجاري
شؤون الطلاب
مقالات مختارة
عناوين مفيدة
الاتصال بنا

جميع الحقوق محفوظة - تصميم المهندس علي محفوض © 2006