كاتب عربي كبير عرف
بالجرأة والشجاعة والموقف المغاير للسائد
والمألوف، وهذا ما جعله يوزع حياته بين
وطنه والمنافي القسرية التي اضطر للعيش
فيها بعيداً عن وطنه الذي يحب ويعشق
وبعيداً عن أسرته الصغيرة، لكنه بالرغم من
ذلك كله بقي محتفظاً بطفولة عذبة وحيوية
لا تدركها الشيخوخة.
كان لقائي الأول به في منفاه الأوروبي قبل
ثلاثين عاماً، حينها سألني بقلق المحب: ما
أخبار سورية؟ وما حكاية الكتّاب السوريين
المعارضين؟ وذكر أسماء بعينها، واستطرد في
تساؤلاته: لماذا يقاطع الكاتب مؤتمراً أو
ملتقى للثقافة والفكر؟ ومن يتضرر من هذه
المقاطعة، أليس الكاتب والقضية الثقافية
التي يفترض أنه يتبناها ويدافع عنها؟
وتوقف عند أسماء أدباء ومفكرين وسياسيين
سوريين واصفاً كل واحد منهم بصفات تتمايز
في الموهبة والصدق والجاذبية من مبدع
لآخر، لكن الذي رآه جامعاً وموحداً بين
معظمهم دون أن يجد له تبريراً مقنعاً، هو
ما عبّر عنه بقوله: أنتم السوريين غريبو
الأطوار في مواقفكم ومعارضاتكم... تعبسون
وكأن الابتسام والضحك منطقة محرمة على
المثقفين المحترمين، بل أرى أن بعض
الكتّاب الكبار يمنعون أنفسهم عن المشاركة
في الملتقيات الفكرية والإبداعية، وربما
يحجمون عن الكتابة احتجاجاً وإضراباً،
وضحك قائلاً: إنهم يعاقبون قرّاءهم
ويعاقبون محبيهم ويظلمون قضاياهم بذلك،
لأننا في كتاباتنا ونضالنا وصراعنا
المفتوح إنما نعمل من أجل الحياة وانتصار
قيم العدل والحرية والجمال والكرامة
والتسامح، فالسجن ليس هدفاً ولا غاية،
بينما يخيل إلي أن بعض إخواننا السوريين
الذين أقدّر وأحترم كأنهم طلاب سجن أو
يخجلون من الفرح بالحياة والترحيب
بالمبادرات والإنجازات التي تلبي مطالب،
سعينا إليها طويلاً، وعندما جاءت لم نحسن
استقبالها وكأنها لا تعنينا.
وعندها لم أستطع إخفاء
دهشتي واستغرابي من هذه التساؤلات
الاتهامية التي تدفقت على لسان الرجل الذي
كنت سعيداً جداً بالظفر بفرصة معرفته
والجلوس والإصغاء إليه بعد قراءاتي للعديد
من كتبه وأبحاثه وإبداعاته المتنوعة قبل
ذلك اللقاء.
ولكي يبدد استغرابي
وارتباكي، أكمل ملطفاً الصورة ومختصراً
سيل الأسئلة الناقدة التي تجمع المودة
والاحترام والاتهام في آن معاً، فقال: يا
عزيزي، أنا حملت أكثر من هذه الأسئلة
الاتهامية وبلغة أكثر وضوحاً وأكثر
تشخيصاً وتحديداً إلى لقاء امتد أكثر من
ثلاث ساعات مع رجل الدولة الأكثر حضوراً
والأبلغ تأثيراً في المنطقة العربية كلها
كما أراه، وكما تأكد لي بعد اللقاء أضعاف
ما كنت أراه قبله.
ويكمل: لقد وجهت إليه
كل ما سمعته من كتّاب سورية ومفكريها
ومعارضيها وهم أصدقاء أعتز بصداقتهم
وأحترم كفاءتهم ومواهبهم، وقد تحدث إلي
بعمق ومودة وحرص فلم يقفز على أي من
الأمور التي طرحتها، فأقر بأن سورية تحتاج
المواهب والمبدعين والعلماء أولاً لكنها
تحتاج التوازن واحترام الأولويات وتقدير
طاقات البلد وإمكاناته وحاجاته الأساسية،
والثقافة حاجة وليست ترفاً وليست ثانوية
بل هي في المقدمة. وضرب الأمثلة واستحضر
الشواهد التفصيلية، ولم ألمس أنه متحامل
على أي من أولئك الكتّاب الذين ذكرتهم له،
بل قال: إنه يقدرهم ويحرص على قراءتهم
كلما سمحت ظروفه بذلك وأثنى على أكثرهم
حدة وأقساهم لغة، ويتابع: وطلب إلي إبلاغ
الجميع أنه يعتبرهم أقرب إليه ممن
يعتبرونهم كتّاب السلطة أو المداحين
والمتملقين، مع أن بعض هذه الأحكام
والآراء مبالغ بها وقد تجافي الحقيقة
وتناقضها لكن من موقعه يميز بين الادعاء
والموهبة، وبين الوطنية والانتهازية.
وبعد عشرين سنة من ذلك
اللقاء، وكانت الأحداث قد توالت على
المنطقة محدثة الزلازل والمتغيرات
العاصفة، التقيت الكاتب العربي الكبير لكن
في موطنه الأصلي بعد أن عاد وقد أشرف على
الثمانين من عمره، فبادرني أظن أن
السوريين جميعهم وليس الكتّاب فحسب
مطالبون أن يقرؤوا بعيون مفتوحة وناقدة ما
صنعه رجل جعل سورية في دائرة الاحترام
ودائرة الإشعاع والإبهار. هذا الرجل الذي
توحد على احترامه الجميع أكانوا أصدقاء أم
خصوماً... وها نحن اليوم نستذكره وقد مضت
سبع سنوات على غيابه، نحني الرأس إجلالاً
وعرفاناً للخالد حافظ الأسد... ونرسم
ابتسامة الحزن والثقة والأمل ونحن نرصد
سورية وهي تقاوم وتفكك الألغام وتبني
الجسور إلى مستقبلها بالمحبة والمعرفة
والإيمان بعمق علاقة سورية بأبنائها
وانتمائها للحكمة والشجاعة والإخلاص في
شخص الرئيس بشار الأسد.