لا يتردد أولو الأمر
في البيت الأبيض وفي البنتاغون وفي دوائر
القرار الكبرى داخل أميركا وفي العواصم
الأوروبية وفي الأمم المتحدة ومجلس الأمن
الدولي عن الإعلان والتصريح كل صباح ومساء
عن العزم والحماسة لتحقيق العدالة ونشر
الديمقراطية والدفاع عن حقوق الانسان
ومحاربة الفساد والفقر والجوع.
فكم هم صادقون في أقوالهم وإعلاناتهم
عندما نراهم يباركون العدوان الاسرائيلي
المفتوح على المدن والقرى والمخيمات
الفلسطينية، معتبرين ما يقوم به الطيران
الاسرائيلي والجنود الاسرائيليون دفاعاً
عن النفس وحرباً حميدة مقدسة ضد الارهاب
الفلسطيني؟!
وما أحسبهم يخجلون
اليوم بعد ما أطبق الاسرائيليون حصارهم
على غزة بشيوخها ونسائها وأطفالها ومرضاها
ومنعوا عنها الكهرباء والدواء والغذاء
إمعاناً في اغتيال جماعي مكشوف، يرضي ضمير
الغيارى على الحرية والعدل والديمقراطية
وحقوق الانسان، فأطفال فلسطين لا حقوق لهم
عند بولتون وابرامز والرئيس بوش وهم
مرشحون ليكونوا قتلة وارهابيين خطرين على
السلام العالمي في مرآة أولمرت ونتنياهو
وباراك وبيريز كما في مرآة المحافظين
الجدد جميعاً وربما في بعض المرايا
المكسورة لدى مسلمين وعرب فقدوا البوصلة
ونامت لديهم أحاسيس الاخوة والكرامة
والغيرية الانسانية.
فما يحدث في غزة اليوم
لا يستدعي الرثاء ولا الشفقة إنما يستدعي
الشعور بالمسؤولية تجاه الذات قبل الشعور
بالمسؤولية تجاه الآخر، لأن ما يُرتكب بحق
أكثر من مليون ونصف مليون فلسطين يعني ان
كل انسان مهدد في هذا العالم المقلوب
المحكوم بشريعة القوة وانحيازها الأعمى،
فإذا ما اصطدمت مصالح أو نزوات القوي
المالك للمال والسلاح والسلطة والجبروت
تحول الى وحش قاتل لا يأبه لاستغاثة أو
دماء أو دموع، وتجربة غزة اليوم دليل حي
سبقتها أدلة في العراق وأفغانستان
وهيروشيما وناغازاكي، وقد تلحق بها أدلة
أخرى إذا لم يتنبّه المتضررون وهم العالم
كله باستثناء عصابات القتلة والجشعين
الذين تحكمهم أحقادهم وأطماعهم فلا تحركهم
صرخات الأمهات وهن يرقبن نزيف أبنائهن
الذين تحصدهم طائرات العدوان الاسرائيلي
أو اللاتي يبحثن عن دواء أو حليب لأطفالهن
بعد ان أغلق الحصار كل نافذة للحياة في
غزة.
ومع ذلك مطالب أبناء
غزة وأخوتهم في نابلس ورام الله وكل الأرض
الفلسطينية برفع أيديهم شكراً وعرفاناً
للسيد الاسرائيلي والسيد الأميركي على
عظيم عطاياهما وجهودهما لنشر الديمقراطية
ومكافحة الارهاب وتحقيق الانتصارات تلو
الانتصارات لإعلاء معاني الحرية والعدالة
وحقوق الانسان.
ومطالبة الجامعة
العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي ومعها
منظمة عدم الانحياز والأمم المتحدة
وشعوبها كافة بالإقرار بعدالة وصوابية
ووحدانية الرؤية الانقاذية لدى إدارة
الرئيس بوش وأتباعه ومنظريه وأركانه من
المحافظين الجدد والمبشرين الدائمين
بالفوضى البناءة التي تريد انقاذ البشرية
مما هي فيه من قهر وظلم وتخلف ولو كان هذا
الإنقاذ موتاً جماعياً كما يحدث في غزة
وحدث قبله في مدن العراق وقراه.
... أما نحن الذين
تربطنا بهؤلاء المحكومين بالاعدام وشائج
القربى وتربطنا بهم وحدة المصير، هل نظن
ان المحرر الأميركي ورسوله الاسرائيلي
الرحيم سيشبعان شهوة الإبادة لديهما
باغتيال غزة ونسائها وأطفالها؟ أم ان واجب
الدفاع عن النفس يقتضي من العرب حكومات
وشعوباً غير منطق المتفرج أو المتبرع في
أحسن الأحوال؟