أوراق ملأى بالشعر

بقلم سعادة السفير علي عبد الكريم علي

اللطف والأناقة والذكاء والعذوبة، هي الصفات التي تسبق صباح قباني إلى جلسائه ومعارفه وأصدقائه.

التقيته أول مرة في العيد الفضي للتلفزيون العربي السوري عام 1985، فأحسست منذ اللحظة الأولى للقائنا بالإلفة والمودة وكأن سنوات طويلة من العمل والصداقة تجمعنا، فقد حرص ـ بالرغم من فارق السن والخبرة والمنزلة ـ أن يقدم نفسه هاوياً وتلميذاً يتلهف لمعرفة ما تضيفه إليه أجيال لاحقة في مضمار العمل التلفزيوني، وملاحظاته التي كنا نحرص على سماعها منه وهو الأستاذ، كانت تردنا وقد غلفها بثناء مدروس، لا يتجاوز الموضوعية، لكن هذا الثناء يدخل إلى النفوس الظامئة كالنسيم العليل في عز الظهيرة الحارقة، لما يمتاز به صباح قباني من معرفة وخبرة وتواضع وكرم ودبلوماسية راقية تمنعه من اختيار العبارة الجارحة، بل تدفعه إلى اختراع الصياغة الخاصة به، التي ترشح كل ما يريده دون أن يخسر جاذبيته ورونقه وصداقته حتى لأولئك الذين يلتقيهم للمرة الأولى. ‏

وتكررت اللقاءات في إطار الإعلام والأدب والفن والدبلوماسية، في حياة شقيقه الشاعر الكبير نزار قباني وبعد رحيله، فكانت تتسع مساحة الجمال والاحترام في وجداني تجاه هذا الرجل، وكم واجهت سؤالاً لم أجد جواباً مقنعاً عليه هو: لماذا لم يكتب شعراً ـ أو لماذا لم نقرأ له شعراً منشوراً؟ مع أن حياته كلها توحي بالشاعرية، ونثره وأحاديثه ومهاراته الرائعة في التصوير الضوئي واختيار المواقع والوجوه والأشكال تشي بالشاعر الشاعر. ‏

وجاء كتابه الذي صدر مؤخراً تحت عنوان: من أوراق العمر (مسيرة حياة في الإعلام والفن والدبلوماسية) ليسمح لنا باكتشاف مساحات من جمال روحه ونفسه وليضيء مراحل نشأته واهتماماته ونمو غراس الفن والشعر والرسم والفكر (على اتساعه) في حياة هذا الفتى الذي لم يزل نضراً حيوياً متجدد الطموح متقد الذهن دائب القراءة والاطلاع والمتابعة وهو على أبواب الثمانين. ‏

مذكرات صباح قباني التي دونها في كتابه بلغة سلسة تفيض جمالاً وحرارة وعذوبة وإلفة تشبهه، سمحت لنا بالإطلالة على عالمه والاطلاع على تجارب هامة في التربية والوطنية وتنمية المواهب ورعاية القيم الاجتماعية واستنباط الدلالات دون تقرير أو وعظ. ‏

لقد أكد الدكتور صباح قباني في كتابه أنه ظالم للشاعر فيه الذي لو أماط اللثام عنه لأهدانا كتباً عديدة أخرى، غنية بالصور والأفكار الملونة والخيالات الإبداعية والإضاءات التي قد لا يؤطرها الوزن والقافية ولكن الشعرية والرهافة والإيحاء التعبيري الآسر وقبل ذلك وبعده الثقافة الموسوعية والذائقة النقدية الجمالية النادرة، كلها تجعلنا عاتبين عليه، أملاً في أن يمنحنا المتعة والفائدة في كتب موعودة أخرى. ‏

وأجدني متفائلاً بولادات جديدة ترغمه عليها الذاكرة الحبلى بالتجارب والمشاهدات والهواجس والرؤى والحب الخاص لكل معاني ومظاهر الإبداع والخلق والجمال والموقف، وهو يمتاز برقة وحنان وعاطفة نبيلة مصقولة تجاه الإنسان والمكان، كلها كلها تقول: إن لنا على هذا الإنسان المبدع الدافئ الرائع الجميل حقوقاً لم يوفها بعد. ‏

فمتى نقرأ مفاجأة جديدة تليق بهذه القامة المضيئة. ‏


   

الصفحة الرئيسية

سورية في سطور
السيد السفير
شؤون السوريين
Visas التأشيرات
القسم التجاري
شؤون الطلاب
مقالات مختارة
عناوين مفيدة
الاتصال بنا

جميع الحقوق محفوظة - تصميم المهندس علي محفوض © 2008