مرت على دمشق أحداث
كبيرة متعددة الأشكال والغايات خلال
الأزمنة المديدة المتعاقبة، فلم تهن أو
تسلّم بالهزيمة، ولم تخسر علاقتها العميقة
الحميمة بالكرامة والجمال في آن.
فكانت سيوف فرسانها وأقلام شعرائها وأوتار
موسيقييها وريشات رساميها وحكمة رجالاتها،
كلها، كلها، شكلت، ولاتزال، نسيجاً
متكاملاً موحداً، يدفع عن دمشق العدوان
والأطماع ويحقق نجاحاتها في العلوم
والعمارة والتجارة والصناعة والزراعة
والابداع الفكري والفني على اتساعه .
.. ودمشق التي تحتفل
هذا العام باختيارها عاصمة للثقافة
العربية، لم تشعر يوماً انها ليست داراً
للثقافة والابداع والتسامح، فترابها يحتضن
رفات قادة ومفكرين وفلاسفة وشعراء ورسل
محبة وإخاء، ولذلك نرى أحد شعرائها يصدح
قائلاً:
ضمت محبتنا الأشتات
واتسعت / تحنو على الكون أجناساً وأديانا
ومجد دمشق العريق
الجديد مدين دائماً لثنائية العلاقة بين
الابداع في الثقافة والفنون والعلوم
والتجارة والعمارة وبين الابداع في الموقف
وشجاعة المدافعين بسلاحهم ودمائهم عن
الأرض والحق والكرامة.
فهذه الثقافة
التكاملية عمرها بعمر دمشق التي هي الأطول
عمراً بين العواصم والمدن الخالدة في
العالم كله، فلا عجب ان يقف السيد الرئيس
بشار الأسد في افتتاح احتفالية دمشق عاصمة
للثقافة العربية ليقول: «دمشق عاصمة
للثقافة العربية، يعني ان تكون عاصمة
للكرامة العربية تمنحنا الاحساس القوي
بالعزة القومية والانسانية، ولهذا فدمشق
عاصمة ثقافة المقاومة بوصفها سمة أصيلة من
سمات ثقافتنا العربية، هي ثقافة الحرية
والدفاع عن الحرية، هي ثقافة الابداع لأن
حريتنا شرط لابداعنا ولا يمكن ان ينفصل
الابداع عن الحرية، دمشق تزهو بوردها
الشامي وترش على القادمين إليها حباً عطر
ياسمينها وتسقي العطاش إليها من ينابيع
مياهها العذبة، لكن لدمشق سيفاً ينتسب
إليها سرعان ما تشهره في وجه الطامعين بها
وفي وجه الذين يريدون بها سوءاً».
فصورة دمشق في مرآة
أبنائها وفي مرايا أصدقائها أمس واليوم
ودائماً هي صورة الحرية والكرامة، الجمال
والتسامح، صورة البستان الجميل الذي تحرسه
السيوف، هذه الصور الملونة الغنية
بالمعاني والقيم والجماليات الآسرة،
تَشارك في صياغتها وصيانتها أبناء سورية
المبدعون وأشقاؤها وأصدقاؤها، في الشعر
والأدب والرسم والموسيقا، ولفيروز
والرحابنة الدور الباذخ المضيء في تعريفنا
وتعريف عشاق دمشق في العالم كله، بموقع
هذه المدينة من سفر الكون ومعمارية القيم
الانسانية وعوالم الابداع والجمال، فلقد
استطاعت هذه الفنانة العظيمة بما تملكه من
موهبة صوتية وتعبيرية نادرة ومن اخلاص يقل
نظيره لفنها وقناعاتها.. واحترام لتكاملية
الابداع الفني (الكلمة واللحن والأداء)،
أن تصنع مع عباقرة عظام في الشعر
والموسيقا والتأليف المسرحي مسرحيات
ولوحات غنائية عميقة الدلالة في معانيها
التربوية والجمالية والسياسية وشديدة
الوقع والتأثير على الأجيال كلها من
الأطفال الى الشيوخ في المدن كما في
الأرياف داخل لبنان وسورية وفي كل مكان
وصله الابداع الرحباني الفيروزي.
فلقد اجتاحت فيروز
بسحر الكلمة واللحن والأداء وجدان عصر
بكامله من خمسينات القرن الماضي الى
يومنا، وكانت دمشق في لوحات الرحبانية
الفيروزية الفرح والجمال والدهشة والايثار
والحب والكرامة والموقف والنصر والعطاء
والخلود.
فدمشق كما تصدح فيروز:
«شآم ما المجد أنت المجد لم يغب».
لقد أكدت دمشق بحرارة
استقبالها الوجداني لفيروز كما أكدت فيروز
بحضورها ومساحات الجمال والحب التي منحتها
لدمشق التاريخ والجمال والموقف، ان الغش
حبله قصير، وان الحقد مهزوم دائماً في
مدينة الحرية والكرامة والجمال والتسامح،
في هذه المدينة التي رأت فيها فيروز
والرحابنة موطن العطر والشعر والكبرياء
والكرامة.