دروس في الديمقراطية !

بقلم سعادة السفير علي عبد الكريم علي

أشعر وأنا أمسك القلم لأكتب زاويتي أن جفافاً يداهم الحبر والمفردات، وأن ارتباكاً يحاصر المشاعر، فما حدث ويحدث لأطفال غزة يجعلنا جميعاً أسارى عقدة الذنب.

لأننا لم نفعل ما يجب أن نفعله قبل أن يحصد القتلة الساديون الأطفال في المنازل ورياض الأطفال وفي مشافي التوليد. ‏

.. لقد تحولت صرخات الاستغاثة المذعورة لفتيات وصبية دون العاشرة الى أجراس انذار لكنها تحولت في الوقت ذاته الى كوابيس تلاحق كل الذين لم تمت ضمائرهم بعد. ‏

ولعل المؤلم والفاجع أكثر اتهام أطفال غزة الذين يلوذون بأثواب أمهاتهم الباكيات النازفات بأنهم ارهابيون وأن القنابل الصهيونية الحارقة التي مزقت أجساد كثيرين وشوهت أجساداً أخرى وأزهقت أرواحاً في أسرّة الولادة لها تبرير الدفاع عن النفس وفق التصريحات الأميركية. ‏

ولا يتورع بعض العرب عن توجيه الإدانة المزدوجة التي تساوي بين جيش الاحتلال الاسرائيلي وجيش الأطفال المسلحين بالدموع وصرخات الاستغاثة، وإمعاناً في المفارقات الصارخة الأقرب الى الكوميديا العبثية، تصل وزيرة الخارجية الأميركية الى المنطقة تحت مسمى البحث عن إحياء عملية السلام، وكأن السلام المنشود لا يقوم إلا عبر القضاء على الشعب الفلسطيني وإسكات كل مظاهر المقاومة وحتى صرخات الأطفال وتأوهات الأمهات، وإلا ما معنى هذه المجزرة التي لا تستثني أحداً أبداً في عمليات القتل المروعة التي لا تميز بين حي سكني ومدرسة ومشفى وحضانة أطفال؟! ‏

.. أحسب أن الضحك أضحى فعل إعجاز لدى أطفال فلسطين الذين عاشوا حالات الرعب التي نُقل بعضها بشاشات الفضائيات، فهل تحمل إليهم السيدة داعية حقوق الانسان كونداليزا رايس وعوداً جديدة بجولات جديدة من المهارات الاسرائيلية الأميركية في تقريب معاني العدل والحرية والديمقراطية الى أطفال فلسطين الذين لم يستوعبوا بعد دروس السلام التي كان آخرها مجزرة غزة وقبلها مجازر رام الله ونابلس وبيت لحم وقانا وصبرا وشاتيلا وبحر البقر ودير ياسين وغيرها وغيرها؟ ‏

.. لا أدري ماذا سيفعل الآباء والأمهات والأطفال الذين يفترشون الأرض بعد دمار منازلهم من أجل استقبال السيدة رايس ومن أجل أداء واجب الاستقبال تجاه داعية العدالة والسلام، ربما ساعدتهم موسيقا الترحيب الاسرائيلية المصاحبة لقنابل الانقاذ ومدافع العدالة، وإعلانات النجدة العربية على استيعاب درس السلام الأميركي الجديد! ‏

.. لكنني بالرغم من تواضع ملكاتي في فهم دروس الديمقراطية الأميركية التي بشّرت بها السيدة رايس وإدارتها الكريمة ووعدتنا بتعميمها على منطقتنا، فإن درس غزة الجديد أراه تنويعاً قد يزيد في تكريس جهلنا بالديمقراطية الأميركية المراد لنا استيعابها بسرعة قبل فوات الأوان وقبل انقضاء فترة حكم الرئيس جورج بوش وفريق المحافظين الجدد. ‏

وأملنا ليس كبيراً في أن تتمكن السيدة رايس من اختراق أدمغتنا السميكة لكي نستوعب الغايات النبيلة من الحروب المفتوحة على ارهاب الأطفال في فلسطين والعراق ولبنان وسائر بلدان هذه المنطقة. ‏

وما نتوقه ويتوقعه كثير من الأميركيين والأوروبيين الذين لم يستطيعوا استيعاب ديمقراطية المحافظين الجدد هو اقتناع أصحاب التجربة بعجزهم عن تعميم هذا اللون من الديمقراطية وإيثار النجاة بأرواحهم قبل أن يسقطوا في أتون الحريق الهائل الذي أشعلوه في هذه المنطقة وفي مناطق أخرى من العالم. وقديماً قيل: السحر يرتد على الساحر.


   

الصفحة الرئيسية

سورية في سطور
السيد السفير
شؤون السوريين
Visas التأشيرات
القسم التجاري
شؤون الطلاب
مقالات مختارة
عناوين مفيدة
الاتصال بنا

جميع الحقوق محفوظة - تصميم المهندس علي محفوض © 2008